مكان الصفر ومكانته مكان الصفر ومكانته

مكان الصفر ومكانته

23/08/2019 - 11:23:36 pm
$name_subcat
مكان الصفر ومكانته

/


نشر فى :
الجمعة 23 أغسطس 2019 – 10:35 م
| آخر تحديث :
الجمعة 23 أغسطس 2019 – 10:35 م

إذا حاولنا تعريف الصفر نستطيع القول: إن الصفر هو العدد الذى يرمز إلى اللا شيء، ويستخدم للدلالة على عدم القيمة فى الرياضيات، لكن إذا جاء الصفر على يمين أى رقم ولنقل مثلًا الواحد (1) يقوم بمضاعفته، أما إذا جاء على يساره فلا أثر له، حيث إن الواحد (1) يبقى واحدًا حتى لو كان على يساره ألف صفر، فالعيب هنا ليس فى الصفر لكن فى مكان تسكينه. هنا إن أردنا أن نطبق هذه القاعدة على البشر وافترضنا أن الرقم واحد (1) هو الإنسان والأصفار هى الدراسات والإنجازات والألقاب.. إلخ التى يحققها، هنا سوف نجد نموذجين من البشر حصلا على نفس الدرجات العلمية ماجستير ودكتوراه ومناصب عليا… إلخ، فإذا تخيلنا النموذج الأول الرقم واحد (1)، أى إنسان جاءته المعارف والعلوم بكل أنواعها: رياضة، فلسفة، لاهوت، فقه، شهادات عليا، ماجستير، دكتوراه، نياشين، مناصب عليا، لكن كل هذه الإمكانيات لم تغيره، ولم تدفعه للتعالى على أهله أو أصدقاء طفولته فتحولت هذه الإمكانات إلى أصفار على يمينه، وإذا أمعنا النظر نكتشف أن هذا الإنسان يعرف نفسه جيدًا، كما على طريقة سقراط «اعرف نفسك»، حيث معرفة الذات وقَدرها وكيفية تربيتها. بمعنى تأمل الإنسان على طول السنين فى ذاته وتصحيح مسارها، إن كان بها كراهية أو تعصب دينى أو عرقى أو جنسى وتصحيح موقفها، هنا لا تعتبر هذه الامتيازات إضافة للشخص بل إن هذه الامتيازات تشرف بأنها أضيفت إليه، فهو لم يفقد إنسانيته أو تواضعه يومًا فى طريق الصعود إلى القمة درجة بعد الأخرى، وبالتالى لم يفقد توازنه أو هويته وهو يتربع عليها، ذلك لأن كل هذه الامتيازات جاءت بعد معرفة النفس فأنتجت آثارًا سليمة ونتائج إيجابية وهذه النوعية من البشر نادرة فى بلادنا، والسؤال هو لماذا؟ هنا نأتى إلى النموذج الثانى من البشر والمناقض للأول وهو الإنسان الذى لا يتعامل مع وصية سقراط «اعرف نفسك» ربما لا يعرفها أو لم يفهمها، فنحن لا نربى أولادنا على معرفة النفس فى بيوتنا، ولا يعلمها أحد فى البرامج الدراسية، ولا فى بيوت العبادة ولا فى الإعلام، وبالطبع فى وسط هذه البيئة غير الناضجة ينجح البعض لسبب أو آخر، ويرتقون فى وظائفهم حتى يصلوا للقمة، فمنهم من يكون وزيرًا أو رئيس جامعة أو عميدًا أو رجل أعمال أو مثقف أو رجل إعلام أو دين.. إلخ، وبالطبع وصوله يكون بالواسطة أو العنف أو سلطة العائلة أو الصداقة.. إلخ. فى هذه الحالة تكون معظم هذه الشهادات أو المناصب والامتيازات والثراء… إلخ أصفارًا كالنموذج الأول تمامًا لكن على اليسار لأن هذه الأمور (الثقافة ــ العلم ــ المال ــ الشهادات) تغذى فيه النرجسية (حب الذات المرضى)، وبالتالى تقوده إلى الغرور والابتعاد عن «الواقع» و«الحقيقة»، وللأسف الشديد هذا هو السائد فى حضارتنا حيث تعتبر ثقافة معرفة النفس والغوص داخل نفوسنا رفاهية فكرية، بل عيبًا لدرجة أن الإنسان يخفى على الآخرين وأقرب الناس إليه أنه يحتاج إلى طبيب نفسى لمعرفة ذاته، هذا فى حالة إذا شعر بمثل هذا الاحتياج كنوع من النضوج. من هنا أبدع ضاربو الأمثال الشعبية للتعبير عن التفرقة بين من يعرف ومن لا يعرف نفسه جيدًا بالمثل الشعبى «اللى يعرف يعرف واللى ما يعرفش يقول عدس». والمقصود هنا أن من يعرف ذاته جيدًا يعرف أى شيء آخر ويتعامل معه بطريقة سوية، وبالتالى كل دراساته وخبراته تأتى على يمينه ويستخدمها، فهو يعرف، أما من لا يعرف ذاته رغم وجود كل هذه الامتيازات يقول عدس لأنه حصل على امتيازات وشهادات ومناصب لكنه لم يستفد منها فى بناء نفسه، فكأنها لا شيء بالنسبة له، فنجد سياسيين ورجال أعمال ورؤساء قطاعات وأصحاب وظائف دينية عليا من هذا النموذج، فعندما يتحدثون نجد كلامهم «كبيرًا» و«عظيمًا» من وجهة نظرهم، بينما المستمعون بعد تصفيقهم لهم بقوة، ومدحهم بسبب وظائفهم العليا، يخرجون قائلين لبعضهم البعض وهم يسخرون «هذا عدس»، وباللغة العربية «هراء».
ومن المؤسف أن المتكلم لا يعرف هذه الحقيقة فيظن أنه يقول دررًا.
***
بقراءة التاريخ نستطيع أن نكتشف سواء داخل مصر أو خارجها من عرفوا أنفسهم جيدًا فتغيروا وغيروا التاريخ، ففى مصر مثلا عباس محمود العقاد الذى لم يحصل من النظام التعليمى فى مصر سوى الشهادة الابتدائية، لكنه صار أديبًا وفيلسوفًا يشار له بالبنان، عندما أراد عبدالناصر أن يمنحه الدكتوراه الفخرية على مجموع إبداعاته قال لمن أرسله: ترى من فى مصر قادر على أن يعطى عباس العقاد الدكتوراه؟ وبالطبع الإشارة هنا واضحة والنقد صريح وهادف. لذلك لم يعد له الرجل ثانية، من هنا نرى صاحب الابتدائية يتحدى رئيس البلاد، ومن قبل ذلك تحدى ملك البلاد، وحكم عليه بالسجن لمدة عام بتهمة العيب فى الذات الملكية، لقد فعل العقاد ذلك بفهم وإدراك وفلسفة حياة أكثر من الحاصلين على أعلى الشهادات والامتيازات من الذين عاصروه، ولأنه عرف نفسه جيدًا فلم يخش فى الحق لومة لائم. بل وعلى مستوى العالم نجد أن الأقلية التى عرفت نفسها صنعت التاريخ نذكر منهم غاندى، وجيفارا، ومارتن لوثر كينج، والأخير هو الراهب صاحب أعظم ثورة دينية فى التاريخ غيرت العالم، وفتحت الباب للتفكير العلمى بعيدًا عن المؤسسة الدينية، وفصلت بين الدين والسياسة، ومهدت للنظم الديمقراطية، ونحن نرى النتائج الرائعة فى الدول المتقدمة مثل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والدول الإسكندنافية… إلخ، بينما البلدان التى ما زالت تسيطر عليها المؤسسات الدينية، ويخشاها رجال الحكم العلمانيون، فهى ما زالت ترزح تحت وطأة الجهل والفقر والمرض، تهاجم مارتن لوثر، وتعتبره فوضويا، وتطلب عدم تسمية أولادهم مارتن، فهم غير قادرين على المساواة بين مواطنيهم بمختلف أديانهم ومذاهبهم وبين الرجل والمرأة ولا بين فقرائها وأغنيائها.
***
ولكن بالعودة إلى مصر نجد أنه على مدى معظم فترات التاريخ هناك من وصلوا إلى أعلى المناصب دون «معرفة الذات» فكانوا سبب نكبة لها فى هزائم متتالية وانهيار اقتصادى… إلخ، لقد وصلوا دون حق أو أحقية، لكن بعضهم وصل ربما بسبب العنف الذى استخدموه للوصول، وعندما وصلوا لم يقدموا شيئًا له قيمة، وهؤلاء يمثلهم من قادوا ثورات فى الشرق الأوسط من أربعينيات القرن الماضى. ولعلك تذكر عزيزى القارئ خطابات هؤلاء وحاشيتهم وخطباءهم ودعاتهم الدينيين وصحفييهم وعلماءهم فى كل مجال.. إلخ، كانوا وما زالوا يطلقون عليهم ألقابًا عظيمة مثل: علماء وفلاسفة وعباقرة لكن يبقى السؤال: ما دام لدينا كل هؤلاء العباقرة والفلاسفة والعلماء فى مصر وفى عالمنا العربى فلماذا لم «نتقدم» أو «نتطور» سواء كدولة أو منظمات داخلها حيث يقودها أصحاب هذه الألقاب، وبالأساس أين هى آثار هذه الشهادات العليا وهذه الألقاب وهذا الاشتغال الفلسفى والفقهى واللاهوتى فى العقل المصرى الجمعى العام أو الخاص؟ أم أن الاشتغال بالفلسفة بطبيعته بلا ثمار؟ لكنه وللعجب أثمر فى الخارج، فهل ذلك لأنهم فى الخارج توضع الأصفار على يمين الواحد بسبب (معرفة النفس جيدًا) أى الشخص الذى يعرف مقدار ذاته. وأما عندنا فتوضع نفس الأمور (الأصفار) على يسار الواحد (عدم معرفة الذات جيدًا). وهل حان الوقت لنعرف أنفسنا جيدًا؟. وعندئذ يمكننا القول وبحق «رحم الله إنسانًا ــ منظمة ــ مؤسسة دينية ــ بلدًا) عرف نفسه» ومن هنا نبدأ. إذا كانت هناك إرادة.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

Top