دروس مستفادة فى ملف التأمين الصحى

11/09/2018 - 11:40:02 pm
$name_subcat
دروس مستفادة فى ملف التأمين الصحى

/


نشر فى :
الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 – 9:50 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 – 9:50 م

فى بداية التسعينيات تبنت الدولة بإرادة سياسية قوية إصدار قانون للتأمين الصحى على طلاب المدارس من بداية المرحلة الابتدائية وإلى نهاية المرحلة الثانوية.

وكانت دوافع الدولة من وراء إصدار هذا القانون رصدها لعدد من الدراسات والتقارير المحلية والدولية التى تشير إلى تدنى مؤشرات الصحة لهذه الفئة العمرية، خاصة فيما يتعلق بالطول والوزن والنحول وسوء التغذية بشكل عام قياسا لنفس المؤشرات عالميا وإقليميا.

وكان القرار سياسيا بامتياز ومن ثم تحركت جميع أجهزة الحكومة لتنفيذه فى وقت قياسى نسبيا (قانون رقم 99 لعام 1992) وكانت محاور تمويله تعكس الإرادة السياسية للدولة فى أعلى مستوياتها، فقد قررت وقتها تحمل قيمة اشتراك طلاب المدارس فى النظام التأمينى لهم بما يوازى 12 جنيها لكل طالب سنويا لتكلفة النظام على أن يتحمل ولى أمر الطالب قيمة 4 جنيهات كاشتراك عن كل طفل من أطفاله فى المدارس، بالإضافة إلى 10 قروش تخصص من عائد كل علبة سجائر للتأمين الصحى على الطلاب.
واعتبر هذا القانون فى حينه من قصص النجاح فى مجال تحسين المؤشرات الصحية للأطفال وضمان حقهم فى الحماية الصحية خارج إطار قوانين التأمين الصحى الأخرى التقليدية السارية وقتها (قانون 97 لسنة 75 وقانون 32 لسنة 75) والمرتبطة بنظم التأمينات الاجتماعية القائمة وفى حساب منفصل ماليا تضمنه فعليا خزانة الدولة كدعم ولأن القرار السياسى بالقانون سبق استعداد الجهاز البيروقراطى الحكومى كالعادة فكان على وزارة الصحة والهيئة العامة للتأمين الصحى وباقى أجهزة الحكومة وقتها بما فيها وزارة التربية والتعليم الإسراع بالتجهيز لتنفيذ التشريع الذى وقفت وراءه رئاسة الدولة بقوة للأسباب سالفة الذكر المحلية والدولية.

وكان على الجهاز البيروقراطى أن ينشأ فى وقت قياسى عدد ضخم من العيادات المدرسية (حوالى 6000 عيادة مدرسية للطلاب) إضافة إلى إجراء تعاقدات مع مئات الأطباء الجدد للعمل داخل المنظومة التأمينية الجديدة وقتها لمتابعة تطبيق نظام تأمين صحى على الطلاب والذى أضاف بقرار واحد قرابة 14 مليون طالب لمنظومة التأمين الصحى التى ظلت منذ نشأتها فى الستينيات ﻻ تغطى سوى قرابة 5 ملايين مواطن حتى بداية التسعينيات.

وتحركت عجلة التغيير داخل الجهاز الحكومى البيروقراطى بأوامر عليا فى حركة محمومة لتنفيذ ما تقرر. وكانت الأموال المطلوبة متوافرة لأنها قادمة من خزانة الدولة ولأن هذه الشريحة العمرية (من 6 إلى 18 عام) وفق دراسات العبء المرضى هى الأقل فى استخدام الخدمات الطبية والصحية نسبيا قياسا بكبار العمر فقد ظل نظام التأمين عليهم قادرا على الاحتفاظ باستدامته المالية بعيدا عن نقطة التعادل (Break even Point) بين موارده ونفقاته رغم أن هذا القانون لم يعتمد على دراسة اكتوارية محددة وتوسعت الهيئة العامة للتأمين الصحى وقتها فى التعاقد على شراء الخدمات الصحية للطلاب من القطاع الخاص إلى جانب التوسع فى إنشاء بعض المستشفيات المخصصة للطلاب وبعض العيادات الشاملة لهم إضافة إلى التعاقد مع العديد من الأطباء الممارسين للعمل فى المدارس لتغطية حاجة النظام.

***

ومن أصداء علاقتى بهذا القانون وقتها أننى كنت أدير إحدى العيادات الشاملة للتأمين الصحى الكبيرة فى أحد الضواحى فى مدينة القاهرة، وكانت تخدم عمال المصانع المجاورة وأيضا طلاب المدارس، وﻻحظت بعد مرور قرابة عام من التطبيق أن نسب الأطفال الذين يقرر لهم الأطباء إجراء عملية إزالة اللوزتين فى زيادة ملحوظة لم أجد لها مبررا مقبولا سوى أن الأطباء يتقاضون نسبة معتبرة من الحوافز على كل عملية يتم إجراؤها، فطالبت بشكل رسمى من رئاستى تشكيل لجان فنية لمراجعة أسباب ومبررات إجراء هذه العمليات بدقة وفقا للإرشادات العلمية الثابتة فى هذا المجال للحد من هذا الإجراء الذى يساهم فى زيادة التكلفة وتعريض هؤلاء الأطفال لمخاطر لا مبرر لها.

ومن ثم فقد نجحنا فى ضبط هذه الممارسة التى تتسم بما يسمى فى اقتصاد الصحة بخلق طلب غير ضرورى على الخدمة ويعتبر أيضا من أشكال إساءة استخدام الخدمة (Moral Hazards) من جانب مقدمى الخدمة وظل هذا أحد الدروس الهامة التى دونتها بشكل عام فى ملفى الخاص فيما يخص تطبيق نظام التأمين الصحى على طلاب المدارس.

وعلى الجانب الآخر وفى نفس السياق من أصداء السيرة الطبية وفى نفس العيادة التى كنت أقوم على إدارتها لعمال المصانع المحيطة ﻻحظت فى الشهور الأولى لعملى أن ثمة «باص» يأتى يوميا من أحد المصانع حاملا ما يقارب مائة عامل للعلاج فى العيادة الشاملة واندهشت من ثبات هذه الأعداد بل وزيادتها يوما بعد آخر، ولما اجتمعت بأطباء العيادة لسؤالهم عن ذلك فوجئت أن ثمة ممارسة تتسم بالروتينية وعدم الدقة فى توقيع الكشف الطبى على العمال والقيام بإعطائهم إجازات وعلاجات دون أى مبرر طبى أو علمى واضح، وقمت بالتشديد على أهمية توقيع الكشف الطبى حسب الإرشادات الطبية الإكلينيكية المتعارف عليها وكتابة تشخيص محدد وتحويل من يثبت عليه التمارض إلى جهته الإدارية، وانقلبت الدنيا ولم تقعد، وأرسلت شكاوى لرئاسة الهيئة ضد هذا المدير المتشدد الذى لا يعطى المترددين على العيادة كما تعودوا كل ما يريدون! وتم التحقيق فى الأمر فى الجهة الإدارية فى المصنع وفى الهيئة العامة للتأمين الصحى وفى اللجنة النقابية للعمال واكتشفوا وقتها صحة موقفى واتساقه مع كل القوانين السارية والأخلاقيات المهنية.

فكان هذا هو الدرس الثانى الذى حاولت إرساءه فى الإدارة الصحية بالتأمين الصحى فى مواجهة إساءة أخرى لاستخدام الخدمة من قبل المنتفعين يساهم فى زيادة التكلفة ونقص الإنتاجية، وعقب ستة أشهر من هذا الدرس أرسلت إلى إدارة المصنع خطاب شكر؛ لأننى بذلك الإجراء ساهمت فى زيادة الإنتاج والحد من الفساد فى الإدارة. وعندما قامت رئاسة الهيئة بتقييم العيادات الشاملة فى نهاية العام فى محاور كفاءة الإدارة وجودة الخدمة اختيرت هذه العيادة باعتبارها من أفضل العيادات فى العاصمة.

***

تلك بعض الأصداء من السيرة الطبية التى ربما تعكس بعض ما نواجه الآن من إشكاليات تواجه نظامنا الصحى الحالى عندما سيشرع فى تطبيق نظام التأمين الصحى الجديد فى محافظات منطقة القناة، فالدروس المستفادة من هذه الخبرة العملية تكمن أولا فى ضرورة مواكبة القرار السياسى لحركة الجهاز التنفيذى وقدراته، ثانيا ضرورة وضع آليات محكمة لحوكمة المنظومة الطبية فى الممارسة الإكلينيكية، ثالثا ضرورة رفع الوعى لدى متلقى الخدمة من الموطنين حول حقوقهم الأساسية فى التعامل مع النظام وضمان هذه الحقوق عبر لجان لحقوق المرضى فى جميع المؤسسات الطبية المقدمة للخدمة.

والتى ربما تفيد فى عملية التطبيق القادم لقانون شامل جديد نحلم به جميعا يشمل الأسرة المصرية بجميع أفرادها وليس فقط طلاب المدارس كما حدث فى بداية التسعينيات واعتبر أنه إحدى قصص النجاح التأمينية فى توسيع التغطية الصحية وهو ما نحاول ونسعى الآن إلى البناء عليه، ولكن هذه المرة وفق دراسة اكتوارية علمية أجريت بمعرفة جهات دولية متخصصة فى هذا المجال، فهل نستفيد من دروس الماضى هذا ما نسعى إليه جديا.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top