عن اللوحة التى استدرت دموعى عن اللوحة التى استدرت دموعى

عن اللوحة التى استدرت دموعى

11/09/2018 - 01:20:02 am
$name_subcat
عن اللوحة التى استدرت دموعى

/


نشر فى :
الإثنين 10 سبتمبر 2018 – 9:55 م
| آخر تحديث :
الإثنين 10 سبتمبر 2018 – 9:55 م

هى خصلةٌ لا أعرف كيف اكتسبتُها. لكنها تلازمنى منذ الطفولة. أسمعُ معزوفة موسيقية فتتراءى أمامى لوحةٌ بصريةٌ كاملةُ الخطوطِ تامةُ الألوان. أو العكس، أتأمل لوحة تشكيلية فتنبعث فى أذنى موسيقاها الداخلية وكامل مؤثراتها الصوتية. ولن أصدِع أدمغتَكم بشخوص الروايات الأدبية الذين يزوروننى بين الفينة والأخرى لكى يحتسوا معى الشاى.
قيل لى إنه داءٌ تسببه جرثومة الخيال، وينتج عنه ضعفُ الصمام الفاصل بين الحواس. لكن الأمر بقى تحت السيطرة، بل كان دوما جالبا للمتعة، وسببا لتبديد رمادية الحياة، وحيلة لإضفاءِ بُعدٍ ذاتى على ما أتلقاه من أعمال فنية؛ حتى كانت اللحظةُ التى وقفتُ فيها أمام اللوحة التى أحكى لكم عنها اليوم. لوحة «جيرنيكا» للفنان التشكيلى الأشهر پابلو پيكاسو.
***
فى واقع الأمر، ليست «جرنيكا» محض لوحةٍ فنية، ولا پيكاسو محض فنانٍ تشكيلى. فهناك حتما صفاتٌ أكثرُ إحاطة بشوامخ الأعمال الفنية وفلتات المبدعين. صفاتٌ لم يتم الاصطلاح على تسميتها بعد، ولن أنشغل بالبحث عنها لأن مسمياتها عصية على اللغة لندرتها الشديدة، ولأن أصحاب اللغة ابتذلوها وهم يوزعون صكوك العبقرية على غير مستحقيها. ولعلى أُقَرِب الشُقةَ بين الاسم والمسمى بأن أقول إن پيكاسو كان قوة من قوى الطبيعة، انقضت على الحياة بعنفوان ريح عاتية، ثم هطلت كالسيل الجارف فى وديان الفن التشكيلى الخصبة، التى شهدها النصف الأول من القرن العشرين. وبحكم عمره الطويل، كان رائدا ومجددا فى الوقت ذاته. يجيد تحين اللحظة المناسبة التى يقفز فيها بين المذاهب الفنية والمراحل اللونية، ليكون فى كل مرة هو نفسه، ذاك المتحرر المتجدد الرؤيوى، حتى وإن بدَل أدواته بمثل النزق الذى كان يبدل به عشيقاته.
***
أما «جرنيكا» فهى ليست لوحة عادية، بل هى جدارية ضخمة خلد فيها پيكاسو ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية فى قرية «جرنيكا» بإقليم الباسك، الذين سقطوا تحت قصف طيران ألمانيا الهتلرية المساندة للجنرال فرانكو فى الحرب الأهلية الأسبانية. تخيلوا معى بلدة هادئة تسكن بين البحر والحقول، انخرط معظم رجالها فى المقاومة، ولم يبقَ فيها سوى النساء والأطفال والشيوخ. وفى يوم السوق الأسبوعى، فيما البيع والشراء يشغلانهم، والموسيقى تملأ الأجواء حنينا للغائبين وراء الحقول، إذا بأسراب الصقور النحاسية تنقض عليهم من وراء التلال وتلقى بقنابلها الفسفورية عليهم فتحرقهم وتحرق قريتهم بالكامل!
كان ذلك فى السادس والعشرين من شهر أبريل عام 1937، فكانت لوحة «جرنيكا» التى رسمها بيكاسو فى حالة من الإبداع المحموم، لتكون أشبه بجدارية العويل ضد الطغيان، أو بمقالة «أنا أتهم» الشهيرة لإميل زولا وقد تُرجمت إلى ألوان، وإن فاقتها فى مَبلغ إحداث الصدمة ومدى إلقاء الروع فى كل من رآها فى المعرض العالمى بباريس فى ذلك العام.
***
ثورٌ، وحصانٌ، وحمامةٌ ذبيحة، وامرأةٌ ثكلى تمسك بين يديها طفلها الميت، وامرأةٌ جريحة تزحف على الأرض، وامرأةٌ صارخةٌ تبتلعها ألسنة نيران مدببة نشبت فى بيتها، وامرأةٌ تطل من أعلى وفى يدها لمبة جاز تشبه القلم الحبر، ومحاربٌ قتيل ممددٌ على الأرض وقد نبتت من سيفه المكسور زهرة. الرجل الوحيد فى الصورة فاقد الحياة، فلا رجال فى الحرب ولا أبطال، الكلُ فى الحرب سواسية تحكمهم حيوانية الصراع وبهيمية التناحر! ولا عزاء للضحايا!
أما الألوان فهى الأبيض والأسود ودرجات الرمادى. تلك الألوان الأجدر بالتعبير عن المأساة الحالكة، والأقرب لألوان طباعة الصحف التى قرأ فيها پيكاسو أخبار وطنه المنكوب من منفاه فى فرنسا. فهو لم يعاين بنفسه آثار القتل على الضحايا، بل ترجم النص الصحفى الأليم إلى رموز بصرية، ألقاها على هذه الجدارية البالغة 27 مترا، مستعينا بجرثومة الخيال.
كانت الحكومة الجمهورية فى أسبانيا، التى طلبت من بيكاسو أن يعبر عن مأساة حربها مع فرانكو، تنتظر عملا واقعيا يدين الفاشية ويكون بمثابة عريضة اتهام ضد ألمانيا النازية، لكنه رسم تلك اللوحة الرمزية الصادمة الصارخة بكل معانى الألم فى وجه كل الحروب، المتعاطفة مع الأبرياء فى كل مكان وزمان!
فبعد أن صرح الرسام بأن الثور الهائج فى جداريته هو رمز الطغيان الوحشى، وأن الحصان المحتضر هو رمز الشعب الأسبانى، عاد بعد عامين ليتدارك نفسه ويصرح بأن الثور والحصان وبقية العناصر ما هى إلا رموزٌ سرية على المتلقى أن يفهمها وفق تجربته الشخصية وإحساسه الخاص. فقد أدرك الفنان لحظتها أنه أنجز عملا عالميا مفتوحا عابرا للأزمنة والأمكنة. وهو ما حدا به أن يكتب فى وصيته ألا تعود لوحته إلى أسبانيا إلا بعد عودة الحريات المدنية إلى مواطنيه، صونا لهذه الجدارية التى أنجزها إثراء لتراث الإنسانية المعذبة.
***
«تعيش اللوحة حياتَها مثل أى كائن حى، فتعتريها التغيراتُ التى تفرضها علينا الحياة. وهو أمر طبيعى. لأن اللوحة لا تحيا إلا بفعل العين التى تتأملها». هكذا كتب پيكاسو فى مذكراته. ولعل عينى أبصرت فى جداريته المقتحمة ما استدر دموعها، فى ذلك اليوم الذى وقفتُ فيه أتأملها. حينما أطلقتْ جرثومة الخيال فى أذنى موسيقى جرنيكا الداخلية بكامل مؤثراتها. فتبينتُ أزيز الطائرات وصراخ الضحايا وعويل الثكالى. لكن العجيب حقا هو أنها كانت تطن فى أذنى جميعها بلغة عربية اختلفت لهجاتها وتمازجت لتحاكى لهجات بلادنا العربية. إن الغرب ليقف بإجلال أمام لوحة «جرنيكا»، ليجدد عهده بعدم العودة إلى عصور التحارب. لن ننسى أبدا ولن نعاود الكرة أبدا. يرددونها بثبات لا يعرف الكلل. أما شرقنا الغارق فى التناحر فهو «جرنيكا» اليوم وكل يوم.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top