يا عمرى..

09/09/2018 - 01:20:01 am
$name_subcat
يا عمرى..

/


نشر فى :
السبت 8 سبتمبر 2018 – 9:50 م
| آخر تحديث :
السبت 8 سبتمبر 2018 – 9:50 م

أحيانا نسعى أن نثبت اللحظة، نريد أن نقاوم الموت ونسترجع الشخص الذى نحب من غياهب النسيان، هذا ما فعله المخرج اللبنانى هادى زكاك خلال حوالى ثمانين دقيقة فى فيلمه الوثائقى «يا عمري«، وعنوانه بالإنجليزية والفرنسية «104 تجعيدات«. التجعيدات هى التى تشكلت مع الزمن على وجه وجسد جدته لأمه التى توفيت فى العام 2013، وقد ظل طيلة حياته يسجل أخبارها وحكاياتها فى دفتره، ثم عندما صار مخرجا أصبح يسجل ما يطرأ عليها من تغيرات صوتا وصورة منذ سنة 1992، وجعل منها مادة حية لفيلمه السادس والعشرين. خطوط وثنيات تغير الوجه… تتحول بعض التجاعيد مع الوقت لشقوق أو تجعدات عميقة، بحكم أن البشرة تكون أقل مرونة، تجف وتقل دهونها فتظهر علامات السنين، إلا أن السيدة التى تجاوز عمرها المئة لم تفقد حسها بأنوثتها. نسيت اسم حفيدها، بل لم تتعرف عليه فورا واحتاجت بعضا من الوقت للتفكير قبل أن تقول له «يا حبيبى.. تقبرنى يا تيته«، لكنها ترد عليه بمنتهى التلقائية والسرعة حينما يسألها عن سنها: « لا تسأل المرأة عن عمرها!«، «عندى 102 سنة؟.. وبعدنى ما مت؟ وبعدنى بحكي؟«.
***
تستعيد تفاصيل حياتها من خلال حكى حفيدها المخرج كما لو كانت حياة أحد آخر، ويمر شريط الذكريات أمام عينيهما، منذ أن عادت إلى لبنان فى ثلاثينات القرن الماضى، وقبلها عندما عاشت مع أهلها فى البرازيل، ولم تكن تتكلم العربية، بل البرتغالية والفرنسية. لا تتعرف على نفسها فى الصور القديمة، فتعلق فقط «حلوة«، لكن الأنثى لديها حافظت على وعيها، وكأن المرأة التى فيها لم تمس. شعر ومشاعر هائشة. تهتم بمظهرها، تستقبل الضيوف بكامل أناقتها، ترسم على الشفايف ابتسامة ساكنة، تسرح شعرها من حين إلى آخر، تشعل سيجارتها وتشربها بمزاج رائق، تلك هى السيدة هنرييت مسعد، جدة المخرج، كما قدمها لنا. ولم يكن من السهل أن يشرع فى تجميع فيلمه وعمل المونتاج بعد رحيل شخص قريب منه إلى هذه الدرجة، لم يجرؤ قط على تصوير لحظات احتضارها، لكنه نجح فى محاربة موت الذاكرة كما يفعل عادة فى أفلامه الوثائقية بطرق مختلفة. نجح فى أن يوضح كيف لا تترك الشيخوخة فقط بصمتها على وجوهنا وأجسادنا، بل ترمى بظلالها على ذاكرتنا، فتمحى سنوات عشناها ولم يبق منها سوى بعض الصور المحببة عن الماضى وأشخاصه، لكنها باهتة.
تتذكر السيدة رقص التانجو وموسيقاه، وتظل فى مخيلتنا صورة الجدة العجوز فى الخلفية وهى تستمتع بمقطوعات التانجو الأشهر، وكأن من يتبوأ الصورة هنا هى الذكريات التى يمثلها هذا النوع من الموسيقى، مرحلة ريو دى جانيرو الساحرة التى تتندم عليها، قبل أن تأتى إلى لبنان بالباخرة فى رحلة صيفية، فتحب وتتزوج ولا تغادرها أبدا. يمر بها العمر وتحتفل بعيد ميلاد تلو الآخر، ونتابع نحن ذلك من خلال مشاهد الفيلم الذى عرض فى مهرجانات كثيرة منها دبى ومالمو بالسويد وشرم الشيخ وأيام القاهرة السينمائية ومهرجان الفيلم اللبنانى بأستراليا ومؤخرا لمدة ليلة واحدة فى سينما درب 1718.
***
المخرج هادى زكاك، أستاذ الدراسات المسرحية والسينمائية بجامعة القديس يوسف ببيروت، أعاد بناء الماضى أمامها وأمامنا، دون أن يتطرق إلى مسائل سياسية شائكة، فقد اكتفت السيدة بالتعليق على الوضع فى لبنان قائلة: «كلهم كدابين.. كلهم حرامية«، فى إشارة إلى الزعماء الذين لا يهتموا سوى بمصالحهم الشخصية. لم يتناول التاريخ السياسى والاجتماعى بشكل أكثر مباشرة كما فعل فى أفلام سابقة مثل «لاجئون مدى الحياة« و«كمال جنبلاط الشاهد والشهادة« و«حرب السلام« و«مارسيدس«، بل ركز على تاريخ إنسانة بكل ما يحمل من ضوء وظلال. آثار الزمن من تجعيدات تروى دون الكثير من الكلمات كيف كانت حياتها، فالتجاعيد هى قصة وجود بكل ما فيه من مشاعر وقلق وخيبات وضحكات وسعادة وحزن، الخطوط ما بين الحاجبين أو حول الشفايف تحكى مشوارنا نحو قبول من نحن وقبول الطبيعة البشرية.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top