مسلمو أوروبا وتَبِعات اليمين الشعبوى.. ألمانيا نموذجا

02/09/2018 - 11:20:02 pm
$name_subcat
مسلمو أوروبا وتَبِعات اليمين الشعبوى.. ألمانيا نموذجا

/


نشر فى :
الأحد 2 سبتمبر 2018 – 9:35 م
| آخر تحديث :
الأحد 2 سبتمبر 2018 – 9:35 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب «إميل أمين» عن أثر صعود الشعبوية فى أوروبا بشكل عام وألمانيا على وجه التحديد على مسلمى أوروبا. كما يناقش الكاتب إشكالية اندماج المسلمين فى المجتمعات الأوروبية خاصة بعد انتشار فيروس التعصب والتشدد وظاهرة «الإسلاموفوبيا».
تبدو أوروبا فى الآونة الأخيرة أمام استحقاقٍ كبيرٍ وخطيرٍ فى الوقت ذاته، يتصل برؤاها التنويرية، وقيمها الأخلاقية، ولاسيما العدالة والمساواة والإخاء، التى باتت فى مهب رياح الشعبوية التى تجتاحها بفعل عوامل كثيرة، وأصبح المُغايرون، عرقا وجنسا، ولاسيما إذا كانوا من مسلمى العالم، والشرق الأوسط تحديدا، هُم الفئة المرشَحة لأن تكون الضحية الأولى بكل تأكيد وتحديد.
والثابت أن الاضطرابات المالية، والاختلالات الاقتصادية التى عانت منها أوروبا، وأدت حكما إلى انخفاض قوة الأوروبيين الشرائية، قد أسهمت بدَورٍ واضح فى توليد حالة من الغضب لدى جموع الأوروبيين، نفذ البعض منها إلى الأجانب والمسلمين بخاصة لصب جام غضبهم عليهم؛ إذ استغلت الشعبوية اليمينية اللجوء والهجرة والهوية والجوانب الأمنية لإثارة الإسلاموفوبيا والعنصرية وكسب دعم الأوساط الشعبية.

ألمانيا والإسلام.. إشكالية سيهوفر
فى النصف الأول من شهر مارس المنصرم، أطلق وزير الداخلية الألمانى الجديد «هورست سيهوفر» تصريحا مُثيرا لغضب مسلمى أوروبا إذ اعتبر أن الإسلام لا يمثل جزءا من ألمانيا التى شدَد على هويتها المسيحية بالمطلق، رافضا اعتبار أيام الأعياد الإسلامية عطلة رسمية.
تستدعى تلك التصريحات تساؤلا جوهريا عن مُنطلقها، وعما إذا كانت نوعا من المُزايدة على التيارات اليمينية الألمانية التى حازت على نحو مائة مقعد فى «البوندستاج» الألمانى الحالى، ممثَلة فى حزب البديل من أجل ألمانيا؟ أم إن التصريحات تأتى كتعبيرٍ عن رؤية وتوجه حقيقيين متجذرَين فى النفس الأوروبية، على الرغم من قرون التنوير الأخيرة، وقد جاءت تطورات الأحداث فى الشرق الأوسط، وما استتبعها من تيارات هجرة وموجات لاجئين لتمسح عنها الغبار من جديد؟
اللافت أن تصريحات «سيهوفر» وردت فى أُطر مُنافية ومُجافية لما سبق وأقرَت به المُستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، التى أشارت إلى أن الإسلام هو بالفعل جزء من تاريخ ألمانيا، وبالتبعية حاضرها وكذا مستقبلها.
هذا المفهوم أكده الناطق باسم «ميركل» حين أشار إلى أن ألمانيا بلد تقاليده يهودية مسيحية بالفعل، لكن وجود ملايين من المسلمين يعنى «من وجهة نظر قيَمنا وقانوننا وديانتنا أن الاسلام يشكل جزءا من ألمانيا».

عن انتكاسة التعايش المُشترَك
ضرب فيروس التعصب والتشدد ألمانيا، ومعه بات رهاب الإسلام «الإسلاموفوبيا» واقعَ حالٍ مُعاصر. ولعل منطقة «حوض الرور» الذى كان يُعرف سابقا باسم «بوتقة الاندماج» أضحت دليلا سيئا على الانتكاسة التى تعشيها القيَم التقدمية لألمانيا.
تاريخيا كانت تلك المنطقة مصبَ تجمع للعمال، من إيطاليا وإسبانيا واليونان، الذين احتاج إليهم الألمان لتسيير عجلة الصناعة فيها آنذاك، فيما القسم الأكبر منهم جاء من مُسلمى تركيا.
لقد اعتُبر «حوض الرور» سابقا ملاذا للمُهاجرين، فيما اليوم، ووفقا لتقريرٍ جديد نشرته مؤسسة «بروست» الألمانية، بات مثالا للاطراد المُتزايد فى مَشاعر الإسلاموفوبيا، وعدم الثقة بين المجتمعات المحلية والمُهاجرين.
لا تقتصر مَخاوف رفض التعايش الواحد على منطقة بعينها فى الداخل الألمانى، بل تمتد إلى عددٍ من المُدن الكبرى فى شمال ألمانيا وجنوبها، الأمر الذى دعا العديد من الصحف الألمانية إلى التحذير من الاعتداءات المتتالية على المسلمين فى البلاد، إذ غالبا ما تشتكى مرتديات الحجاب المسلمات من التعرض للإساءة فى الحياة اليومية، ووقوع اعتداءات جسدية أيضا على البعض منهن، وإن لم تتوافر بعد إحصائيات مستقلة فى هذا الشأن.

انقسام تجاه الرؤية إلى الإسلام
إن علامة الاستفهام التى يتوجب طرحها فى هذا السياق هى عما إذا كانت ألمانيا بعمومها تمضى وراء الشعارات المتشددة والرافضة للإسلام والمسلمين، أى عما إذا كان اليمين الأوروبى المتطرف قد ساد فى الداخل الألمانى مرة وإلى الأبد كما يُقال؟
الشاهد أنه منذ أن أطلق «سيهوفر» تصريحاته الشوفينية تلك، تتعمق حالة من الانقسام فى الأحزاب السياسية الألمانية، وتعترى كذلك المسئولين الألمان من وزراء وعمد المُدن الكبرى، وقيادات سياسية وحزبية. بعض الأصوات تؤجِج الصراع، وكأنها تسعى لأن تبقى النيران مشتعلة. ومن عينة تلك العقليات «ماركوس بلوم» الأمين العام للاتحاد الاجتماعى المسيحى البافارى، الذى انتقد فى حوارٍ له مع صحيفة «فيلت أم زونتاغ» الدعوات المُطالِبة بوضْع حد للجدل الذى أثارته تصريحات «سيهوفر» قائلا: «لا يجب قمع هذا النقاش، بل يجب مواصلته حتى النهاية».
لكن فى المقابل، تبدو هناك أصوات أكثر عقلانية واعتدالا من نوعية رجالات حزب الخضر. فقد صرَحت رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب «كاترين غورينغ ــ إكارت» أنها تريد «توجيه رسالة واضحة تفيد بأنْ لا تسامح مع العنف فى بلدنا أيا كان مصدره أو الجهة المُستهدَفة»، واعتبرت أن «سيهوفر» أَهانَ مَشاعر المسلمين بتصريحاته عن الإسلام مُعتبرة الأمر فضيحة.
الذين استمعوا إلى تصريحات وزيرة العدل الألمانية الجديدة «كاتارينا بارلى» ربما التبس عليهم الأمر. لكنْ بتحليل وتفكيك دقيقَين لما قالته يثبت لدينا أن ألمانيا لا تزال دولة ذات مبادئ وإن كانت المَخاوف تظلِل سماواتها بشكلٍ كبير؛ إذ أشارت إلى أن النقاشات النظرية حول ما قيل قد أجريت على مدى فترة كافية، وأن المهم إيجاد حلولٍ عملية توفِر تعايشا مُشتركا وحلا لجميع العقبات، وأن القانون الأساسى، أى الدستور، سيظل أساس تعايشنا.
أما «ميركل»، فقد اعتبرت تصريحاتها «جوهرة التاج» إن جاز التعبير، إذ جدَدت تأكيدها على أن «المسلمين ودينهم جزءٌ من ألمانيا».

مسلمون وكاثوليك.. فى حوارٍ ألمانى
لا تزال هناك فى الداخل الألمانى «ركب لم تجثُ لبعل الكراهية»، وأنفسٌ ترفض جرائم العنف والاعتداء على الآمنين، وأصحاب مؤسسات ورؤى تمضى فى طريق تعميق الحوار والجوار، بعيدا عن الخصام والافتراق. من هنا يُمكننا الإشارة إلى الدعوة التى وجَهها مجلس أساقفة ألمانيا الكاثوليك لمُمثلى الجاليات الإسلامية، بهدف بلورة رؤية جديدة للتلاقى الإيجابى والخلاق.
كانت مدينة فرانكفورت هى حاضنة اللقاء الذى جرى بين رئيس لجنة الحوار ما بين الأديان التابعة لمجلس الأساقفة المحلى المطران «غيورغ باتسنغ» ونحو مائة شخصية مسلمة مثلت الجاليات المُسلمة المختلفة المُقيمة فى ألمانيا.
الأسقف الألمانى أكد أن هذا اللقاء هو الأول من نوعه، وقد شاءه مجلس الأساقفة الكاثوليك فى ألمانيا من أجل تنشيط وتسليط الضوء على أهمية الحوار الإسلامى ــ المسيحى بالنسبة إلى المجتمع الألمانى. وقد كان فى مقدمة المُشاركين فى هذا اللقاء رئيس الرابطة المُسلمة الألمانية، ورئيس المجلس الإسلامى فى ألمانيا، ورئيس الجماعة المُسلمة الأحمدية.
أحد الأصوات الأكثر عقلانية التى شاركت فى اللقاء، كان البروفيسور الأب «فيليكس كورنور» أستاذ لاهوت الأديان فى جامعة «غريغوريانا» الحبرية فى روما، والذى ألقى مُداخلة أشار فيها إلى الحكمة التقليدية للمسيحية والإسلام، تلك التى تتضح عندما تتعمق حالة الحوار والجوار بين المسيحيين والمُسلمين، ويُمكنها أن تُسهم فى صقل العَيش المُشترَك فى ألمانيا، كما أن تلك المسئولية المُشترَكة قادرة على تغذية آفاق جديدة للفكر الدينى وتطويرها، وباستطاعتها أيضا أن تقدم لنا وجهات نظر جديدة على الصعيد الخلقى والأدبى، فضلا عن أفكارٍ جديدة لنقل القيَم.
ولعل التساؤل يكمن فى كيف يُمكن للأديان فى ألمانيا أن تكون أداة للم الشمل لا آلية للتفريق؟
المؤكد أنه يُمكن لألمانيا أن تتمتع بإسهام التقاليد الدينية المُختلفة التى تملك مؤسسات، وهى عبارة عن بيوت للرياضات الروحية، ومدارس للاهوت الروحى، وأماكن للتعليم وتنشئة أشخاص يقفون إلى جانب كل مَن يبحث عن الله ويساعدونه على النمو.
يُمكن للأديان فى ألمانيا أن تبحث عن العوامل المُشتركة فى العمق الروحى، لا التمحور حول الإشكاليات الظاهرية التى تحرِف الأنظار عن جوهر القضايا الإنسانية والإيمانية ومركزيتها، وفى عالَم يموج بدعاوى الشخصانية والفردية وكأن الكون مرشح لخدمته دون غيره من بنى البشر.

بين خيارات التصادم وإمكانيات الالتحام
هل المشهد الأوروبى بعامة وليس الألمانى فقط أمام حالة جذرية من الخيار بين إقامة الجسور أو بناء الجدران؟
الشاهد أن هناك تصاعدا ديموغرافيا للمسلمين فى أوروبا لا يُمكن تجاهله. فأوروبا لن تكون كما عهدناها من قبل، فهى تواجِه احتمالات عدة، ترتبط ارتباطا أساسيا بالتغيرات والتطورات السياسية. ففى حال استمر تصاعد تيار اليمين الأصولى المتشدد فى أنحاء البلاد كافة، وهَيمنته على الساحة السياسية، وحتى إذا قرَر أنصار هذا التيار إغلاق الحدود، فإنه لا يُمكن لهم إيقاف التغيير لأن معدل نمو السكان الأصليين الأوروبيين هو 1.6 طفل لكل امراة، أما المعدل عند المسلمين فيصل إلى 2.6 طفل.
أما إذا لم يتم حَسم قضية الهجرة فى الاتحاد الأوروبى وإخضاعها لرقابةٍ صارِمة، فإن النمو الأكثر احتمالا للسكان المُسلمين سيصل إلى 11%. وبحلول العام 2050 سترتفع هذه النسبة فى المَملكة المتحدة إلى 16%، وفى السويد إلى 20%.
ويبقى السيناريو الأكثر أصولية وغير المُمكن التنبؤ بتحولاته فى الاتحاد الأوروبى هو الحفاظ على النمو المحقَق فى السنوات الأخيرة. أما الحفاظ على الهجرة بالمستوى نفسه، فيعنى أنه بحلول العام 2050 سيكون عدد المُسلمين فى السويد على سبيل المثال 30% من السكان، وفى النرويج المُجاورة نحو 17%.

أمام إشكالية الاندماج وقبول الآخر
ماذا تعنى الأرقام المتقدمة؟ إنها تقودنا بلا شك إلى القول إنه لا مناص من السير فى طريق الاندماج من جانب المهاجرين الجدد، بمَن فيهم من المسلمين، ولا يعنى الاندماج هنا ذوبان أو ضياع الهوية الدينية بالضرورة، بل الالتحام الخلاق والفعال بالمجتمع، وفى الوقت ذاته الحفاظ على السيرة والهوية والكيان الإيمانى، حتى وإن اكتسى بلمحات ولمسات تفرضها البيئة المحيطة إيكولوجيا وجغرافيا وديموغرافيا.
وعلى الجانب الآخر، لا بد للأوروبيين بعامة والألمان فى مقدمتهم، من الإيمان بأن المسلمين بشر أسوياء، يُمكن قبولهم من ضمن السياقات الحضارية الغربية، والمواطَنة فى مقدمة تلك الأُطر التى تعزِز من قبولهم، وأن التقارب بين المسلمين والأوروبيين يُمكن أن يقوم عبر البحث فى قدرة الإسلام ودوافعه المؤهَلة لأن تكون قريبة من وجهات النظر السائدة فى الغرب، وتكثيف الجهود وتعميق الفعاليات المُشتركَة. هكذا، فإن واقعا جديدا يُمكن أن تشهده أوروبا لبناء كيانات إنسانية تتوافر فيها شروط الأنسنة الجديدة والجيدة، بعيدا عن إسقاطات الماضى، أو إحياء النعرات الطائفية والمذهبية الماضية.
قد تكون ألمانيا اليوم النموذج المرشَح للحُكم من خلاله على مستقبل التعايش والتعاون بين المسلمين والأوروبيين، وقد عُرفت العقلية الألمانية تاريخيا بأنها مثالٌ للدقة والتنظيم والالتزام؛ فهل ستنجح فى اجتياز هذا الاختبار الحساس؟
يأمل المرء أن يكون ذلك كذلك لخير الألمان والمسلمين والإنسانية جمعاء.

النص الأصلى

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top