أمثالنا الشعبية أمثالنا الشعبية

أمثالنا الشعبية

30/08/2018 - 11:40:02 pm
$name_subcat
أمثالنا الشعبية

/


نشر فى :
الخميس 30 أغسطس 2018 – 9:10 م
| آخر تحديث :
الخميس 30 أغسطس 2018 – 9:10 م

لم تقرأ النساء في العائلات القديمة الكتاب الممتع الذي ألّفه أحمد تيمور باشا عن الأمثال العامية المصرية ويحوي ما يزيد على ثلاثة آلاف مثل محققين ومفهرسين، فما كان يجري على ألسنتهن كان مصدره الأمهات والجدات اللاتي كن يتناقلن الأمثال الشعبية كما يتوارثن الذهب وأطقم الصيني ولوحات الكانڤاه، الفارق بين هذه الثروة وتلك أن الأمثال الشعبية تحفظها الذاكرة لا الخزائن وأن ميراث الأمثال لا يتنازعه الوارثون. هكذا زُفَت أمهاتنا وجداتنا إلى عِش الزوجية وهن مسلحات بحصيلة لا بأس بها من “على رأي المثل ” . وعندما تم توثيق هذه الأمثال في كتاب تيمور باشا شكّل هذا خطوة مهمة على طريق تدوين التاريخ الشعبي، والاطلاع على هذا التاريخ كاشف لخفايا الكثير من الخصائص التي تميز الشخصية المصرية، وهي خصائص ليست متسقة بالمناسبة ودليل ذلك وجود أمثال تحث على الشجاعة وأخرى تحبذ الحذر، كذلك فإنها ليست كلها خصائص إيجابية فلقد هالني شخصيا ذلك الكم من الأمثال التي تنضح بالعنصرية ضد النساء عموما وغير الجميلات منهن خصوصا وضد أصحاب الإعاقة والبشرة السمراء ..إلخ. ومن هنا فإن عملية التنشئة الاجتماعية عليها تشجيع التعامل النقدي مع تلك الأمثال وتوضيح السياق الذي ظهرت فيه.
***
شكّل كتاب “الأمثال العامية ” إذن تطورا مهما في رسم تفاصيل الشخصية المصرية واستُقبل بحفاوة كبيرة شجعت على طباعته عدة مرات، وفي بعض الأحيان كان يتم تضمين الطبعات الجديدة ما تم إغفاله من أمثلة في الطبعات السابقة. ومع ذلك فَلَو فتشنا في الذاكرة فإننا سوف نجد أمثالا تربينا عليها لم يتضمنها الكتاب ربما بفعل محدودية انتشارها . من هذه الأمثلة المهجورة هناك مثل يقول “متجوزة عدس عازبة عدس”، وهو مثل يُستخدَم للدلالة على أن الوضع الاجتماعي لهذه القريبة أو تلك لم يتغير بعد الزواج. عندما استمعتُ إلى هذا المثل لأول مرة أثار استغرابي فالعدس طعام لذيذ وليس مفهوما لماذا يتم تحقيره واعتباره رمزا لضيق ذات اليد، أولا يأكل العدس أيضا أولاد الأكابر؟ أولا يُقدَّم حساء العدس في أكبر مطاعم العالم ؟ عموما ليست الأمثال العامة وحدها التي تسخر من العدس فهذا هو حاله في الحكاوي الشعبية والأعمال الدرامية لاسيما تلك التي تصور الحياة داخل السجون، وهنا سنجد أن العدس هو أحد الأطعمة القليلة التي أُلِفت لها أغنيات مخصوصة كما حدث في فيلم “أربع بنات وضابط “، فهل كان المثل يقصد أيضا أن الزواج مثله مثل العدس أداة من أدوات التهذيب والإصلاح ؟ وأين ذهبت إذن وعود الأهل بحياة وردية بعد الزواج ؟
***
مثل مهجور آخر يقول “مش مخلي وراه ورا “، ويُستَخدم في حالة ما إذا كان أحد الأشخاص قد تفانى في خدمة الآخرين وإرضائهم بحيث لم يعد هناك أي مأخذ على سلوكه . بطبيعة الأمر فإن أمثال هذا الشخص يعدون من نوادر البشر فقلما نجد هذه المثالية في إيثار الغير ولو على حساب النفس، أو نجد من يُنجز المهام الموكلة إليه دون هفوات تُذكَر ففي النهاية الكمال لله وحده، لذلك فإن هذا المثل لم يكن دارجا في وصف من نعرفهم في دائرتنا العائلية الضيقة. لكن حيثما كان يقال كان يحلو لي ممازحة قائلته بالسؤال التالي: قولي لي يا فلانة عندما كان ينظر صاحبنا خلفه تراه ماذا كان يجد بالضبط ؟ فكانت ترد بثقة واضحة : لا شيء بالمرة .. فليس من ورائه وراء !
***
أما المثل الذي كان يصيبني بخوف حقيقي فكان هو الذي يقول ” اللي يعمل عمل وما يتمه تموت أمه”، وكان هذا المثل عادة ما يكون من نصيبي إن تكاسلت عن إتمام إحدى المهام الروتينية التي يتم تكليفي بها. الأطفال سريعو الملل، لا يصبرون على قضاء وقت طويل في أداء عمل واحد خصوصا إن كان لا يروق لهم أو لا يقدرون جدواه كما يقدرها الكبار. وهكذا في كل مرة كنت أتبرم من هذا النوع من الأعمال السخيفة وأنصرف عنها إلى اللعب كانت تحذرني أمي بقولها ” اللي يعمل عمل وما يتمه تموت أمه”، فكنت أنكص عن تمردي وأستأنف العمل على مضض. منطقيا لم أستطع أن أقيم علاقة مقبولة بين عدم إكمال مهمة معينة وبين إصابة أمي بمكروه فما دخل هذا بذاك، لكني لم أكن في وارد اختبار مصداقية هذا المثل على أرض الواقع إذ ماذا يحدث لو كان المثل حقيقيا وكانت هناك علاقة فعلا بين شقّيه ؟ أأكون قد قتلت أمي بيدي وجعلتها تدفع حياتها ثمنا لإهمالي؟ حاشا لله. أكثر من ذلك حين كان الموت يخطف دون مقدمات أم واحدة من صديقات الطفولة كان يلّح علّي السؤال التالي: ترى هل تقاعسَت صاحبتي عن إتمام عمل كلفتها به أمها فماتت المسكينة؟ لا إجابة، وفي المساء كانت أمي تلاحظ همة غير عادية في إتمام مهامي المتراكمة فتظن أن الله قد هداني. ثم تمضي السنون وتذهب أمي لخالقها، فيحررني غيابها من عقدة الطفولة وأحاول جاهدة ألا أفعل إلا ما أريد، وياله من ثمن للحرية!
***
هكذا هي الأمثال الشعبية تحدد نطاق حركتنا وترسم حدود علاقاتنا بالناس والأشياء، لا نفلت من تأثيرها السلبي إلا بجهد جهيد لكنه جهد مطلوب على أي حال لأنه يرتبط بإعادة بناء الشخصية المصرية السوية.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top