برلمان القراء

30/08/2018 - 10:00:02 pm
$name_subcat
برلمان القراء

/


نشر فى :
الخميس 30 أغسطس 2018 – 9:10 م
| آخر تحديث :
الخميس 30 أغسطس 2018 – 9:10 م

جاء الدور على الكاتب ليقدم تعليقه على آراء وتعقيبات القراء، مبتدئا بتحيتهم وشكرهم جميعا، باعتبارهم أعضاء متطوعين فى برلمان شعبى، بمن فى ذلك أولئك الذين يتجاوزون أحيانا أو دائما ضوابط وقيم الحوار، عند اختلاف الآراء، أو زوايا النظر، بدافع من فرط الحماس غالبا، أو فرط الغضب فى أحوال أخرى، فكل ذلك مفهوم، مادام يصدر عن اهتمام مجرد بالشأن العام، ولا يصدر عن تعمد المغالطة والتضليل من أجل الاسترزاق، أو الثرثرة والاستفزاز من أجل الشهرة، على طريقة تحدى الغراب للنسر فى حكايات كليلة ودمنة.
بعد التحية والشكر يتوجب الاعتراف بأن غالبية مساهمات القراء تمثل إضافة إلى الحوار الوطنى، الذى لم يتوقف فى مصر منذ السنوات السابقة على ثورة يناير 2011، لكنها فى الوقت نفسه تقدم أمثلة متجددة لإيجابيات وسلبيات طريقتنا المصرية فى الحوار، كما تقدم عينة لاتجاهات الرأى العام، وبذلك فهى منصة ثرية للرصد والتحليل، سيما والحديث هنا يدور حول تعليقات القراء على كتابات عدد كبير من أصحاب الأقلام فى هذه الصحيفة، وغيرها من الصحف المصرية، عبر فترة مطولة.
بالطبع يتمنى الكاتب (أى كاتب )أن يكون خلوا من السلبيات، التى سوف نتحدث عنها توا، لكننى لا أدعى هذه العصمة لنفسى، على الرغم من اجتهادى للالتزام بالموضوعية والمهنية، قدر ما تطيق الطبيعة البشرية.
يوافقنى زملاء وأصدقاء كثيرون على أن إحدى أخطر آفات الحوار العام فى مصر، وفى عالمنا العربى عموما هى غياب ما يسمى بقوانين الفكر، التى صاغها أرسطو قبل أكثر من 2500 سنة، أو بعبارة أخرى غياب المنهج العلمى عن نسبة لا يستهان بها من المناقشات والمداخلات والمناظرات والتعليقات، فمثلا يشيع فى أحاديثنا خلط بين التوقع المبنى على معطيات موضوعية، أو معلومات مؤكدة، وبين تمنى نتائج بعينها، دون توافر معطياتها، أو معلومات تدل على إمكان حدوثها، لا لشىءإلا لأن هذا ما يريده المتحدث أو الكاتب أو المعلق، ويرفض أن يصدق شيئا غيره، بل يقاوم هذا التصديق.
الأمثلة على هذا التفكير بالتمنى غزيرة وشهيرة، كالادعاء بأن «الانقلاب يترنح»، أو أن مصر ستكون قد الدنيا، أو أن سد النهضة الإثيوبى سينهار لأسباب جيولوجية، أو القول بأن تحويل نهر الكونغو سيوفر لنا أكثر مما سيحجزه السد الإثيوبى من المياه.
كذلك تنعدم عند كثيرين منا القدرة على التفريق بين تفسير الظاهرة، وبين تبريرها، فالتفسير هو تحليل وتبيان الأسباب التى أدت إلى نشوء الظاهرة، والعناصر المكونة لها، أما التبرير فيعنى تسويغ قبول هذه الظاهرة، بوصفها نافعة أو ضرورية أو لأى سبب آخر، التفسير يعنى الفهم، والتبرير يعنى التفهم والتأييد.
كمثال على هذا الخلط المعيب بين التفسير والتبرير افتراض أن الحديث عن ضعف الحركة الحزبية بوصفه سببا لتمكن السلطوية هو تبرير للسلطوية، وتسويغ للرضوخ لها، فى حين أن أصحاب الفكر الصحيح، والفطرة السوية يرون ذلك تبصرة بالأسباب، ودعوة لمعالجة أمراض الحركة الحزبية، وبالتالى فكل من عقب على مجموعة المقالات التى خصصت لبحث تلك الأمراض الحزبية، بأنها تكتيك للإلهاء، وتغاضٍ عما تضمنته المقالات من مقترحات للعلاج فهو متجاوز لقوانين الفكر على طريقة «أين أذنك يا جحا؟»، وذلك إذا أحسن الظن به، وهذا ما أفضله.
وليس الخلط بين الممكن، وبين المحتمل، والخلط بين الحتمى وبين المستحيل بأقل مجافاة للمنهج العلمى مما سبق، وقديما قيل لا تضيع الممكن فى طلب المستحيل، ونضيف نحن أنه ليس من الحكمة إهدار الممكن فى انتظار المحتمل، ذلك أنك تستطيع رصد والتحكم فى أغلب معطيات هذا الذى يمكن حدوثه، أما المحتمل فإن أغلب معطياته لا تكون قابلة للرصد، والتأثير فيها.
على سبيل المثال كم تعددت الدعوات المتسرعة للتظاهر دون أدنى استجابة جماهيرية؟ ولنقارن هذه الحالة التى تراهن على المحتمل بحالة يكون التصرف فيها على أساس الممكن، مثل عقد مؤتمر عام مفتوح للجماهير لحزب سياسى كبير ومنضبط وواعد، وذلك لمناقشة القضية التى وجهت الدعوة للتظاهر بسببها دون استجابة، فلماذا إذن يغضب بعض أصدقائنا القراء من دعوتنا للسياسيين بعدم إهدار الممكن انتظارا للمحتمل ؟! ولماذا يرفض قراء آخرون الدعوة إلى البدء فى بناء التراكم التنظيمى لتحسين أو تغيير موازين القوة السياسية فى المجتمع انتظارا «للثورة التالية»، فى طبعة سياسية من عقيدة المهدى المنتظر الدينية؟!
أما الأكثر شيوعا بين كل شرائح المجتمع المصرى من الاختلالات المنهجية فى المناقشات العامة، وفى الحوارات الخاصة فهو الرد على قضية، أو نقطة فى قضية بالحديث عن قضية أونقطة أخرى، ليست هى المطروحة للمناقشة، مثلا حدث كثيرا أن رد متخصصون، وكتاب وقراء على الانتقادات المحددة للسياسة المصرية الحالية نحو قضية السد الإثيوبى قائلين: سوف نتوسع فى مشروعات تحلية المياه، أو زاعمين أن مصر تعوم على محيطات من المياه الجوفية، بل هناك من قال إن ثورة يناير هى التى مكنت إثيوبيا من الشروع فى بناء السد، وهناك من حمل المؤتمر التليفزيونى للرئيس الإخوانى كامل المسئولية والجريرة حتى يومنا هذا، ومع أن بعض هذه النقاط قد تكون صحيحة فى ذاتها فإنها ليست النقطة المطروحة للمناقشة.
مثال آخر أكثر طزاجة فحين طالب لاعب كرة القدم محمد صلاح بالتطبيق الصارم لقواعد الانضباط الإدارية المعمول بها فى كل دول العالم، لم يجد اتحاد الكرة المصرى ما يرد به سوى اتهام محامى اللاعب بمحاولة الإيقاع بينه وبين وطنه، متجاهلا القضية أو النقطة الأصلية.
فى رأينا أن السبب الرئيسى لهذه الاختلالات والمغالطات المنهجية ليس نفسيا أو عقليا محضا، ولكن الأسباب تأتى من تصور المصلحة الفردية أو الفئوية أو الطبقية، ومن حالة الاستقطاب الأيديولوجى والسياسى الحادة التى قسمت المجتمع، والرأى العام إلى خنادق متحاربة بالكلمات، أكثر من كونها، أو بدلا من أن تكون جماعات متحاورة على أسس مشتركة، تقود إلى الفهم والتفاهم، والى تحديد أوجه الاتفاق والاختلاف، وصولا إلى الكلمة السواء التى تتوافق حولها الأغلبية، والتى بدونها لا يقوم مجتمع ولا دولة بالمعنى الصحيح للكلمتين، والمدهش والمحزن فى آن واحد أن حروب الخنادق الكلامية هذه لا تدور رحاها حول الحاضر أو المستقبل، أو حتى الماضى القريب، بل يمتد لهيبها إلى كل مكونات وفصول وشخصيات تاريخنا المصرى، والإسلامى الطويلين، فالفريق الرافض لعهود يوليو 1952 يكاد يقدس العهد الملكى، بغض النظر عن سفه الخديوى إسماعيل، الذى أغرق البلاد فى الديون، وأغرق المواطنين فى البؤس، وبغض النظر عن خيانة توفيق، ورجعية الملك فؤاد، وكراهيته للحكم الدستورى وعبث وعدمية الملك فاروق، أما دراويش يوليو 1952، وبخاصة الناصريون المتطرفون فيشوهون كل شىء فى تلك الأحقاب، بما فى ذلك ثورة 1919، ويكتئبون لمديح سعد زغلول ومصطفى النحاس، وطلعت حرب.
وبالطبع فإن ما بين الإخوان والناصريين ألعنُ مما قال مالك فى الخمر، وكذلك ما بين الساداتيين والناصريين، وما بين مؤيدى ثورة يناير وبين منتفعى حكم مبارك، ناهيك بالطبع عن ما بعد سقوط حكم الإخوان، ثم إقصاء كل شركاء 30 يونيو من الحياة السياسية.
لقد بلغت حدة الاستقطاب أن أحد الناصريين اتهمنى بأننى عميل للموساد، لأنى لم أعترف بأن السادات خائن، حين كتبت عن ما استمر معنا من خطايا الرجل، فى حين أن مدافعا عن السادات نفى مسئوليته عن عودة التطرف الدينى المسلح!
استمرارا لحرب الخنادق هذه فالكاتب متهم، أو مقصر، أو متهرب، إذا لم يبد رأيا فى كل حدث، وكل شخص، وكل قول، علما بأن لكل كاتب أولوياته، وأن الصمت أحيانا يكون رأيا أبلغ من الكتابة، وأن الكاتب المحترف ليس محرر منشورات سياسية.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top