«المولودة».. أجمل سيرة حب «المولودة».. أجمل سيرة حب

«المولودة».. أجمل سيرة حب

30/08/2018 - 09:20:04 pm
$name_subcat
«المولودة».. أجمل سيرة حب

/


نشر فى :
الخميس 30 أغسطس 2018 – 9:15 م
| آخر تحديث :
الخميس 30 أغسطس 2018 – 9:15 م

يترك هذا الكتاب فى نفس قارئه أثرا أبعد من حكاياته الشيقة، وأوسع بكثير من محيط شخصياته وأماكنه، رغم أنهم جميعا شخصيات مميزة، ورغم أن سطور الرحلة تستوعب ما يزيد عن 70 عاما من الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية المصرية، وتمتد على خريطة باذخة المساحة، فى عمق الزمان والمكان، من تركيا إلى مصر وإيطاليا، ومن أوديسا على البحر الأسود، إلى سيلا بالفيوم.
كتاب «المولودة» لنادية كامل، والصادر عن دار الكرمة، سحره الطاغى، فى طاقة الحب التى سردت بها أم المؤلفة ذكرياتها: الأم نايلة، الإيطالية المصرية، المولودة باسم مارى روزنتال، والتى تزوجت من المحامى والصحفى والمناضل المصرى سعد كامل، تحكى عن حياتها وأسرتها دون تحفظ أو حسابات، لم تفعل شيئًا إلا بحب وصدق واقتناع، هكذا اختارت منذ سن الثامنة عشرة، والدها ووالدتها تزوجا عن حب، رغم اختلاف الديانات، وهى تزوجت عن حب، رغم اختلاف الأديان، ثم إنها أحبت فكرة، ودفعت الثمن سجنًا وتشريدًا، وأحبت الأماكن والبشر، وأحبت واختارت أن تحمل الجنسية المصرية.
قيمة الكتاب الكبرى فى أنه يرسم ملامح عصر كامل، حافل بالأحداث والشخصيات المهمة، فترة تقلبات مذهلة، من صعود الأيديولوجيات إلى سقوطها، ومن الحرب إلى السلام، ومن اليسار إلى اليمين، من مصر الكوزموبوليتانية متعددة الألوان والثقافات والألوان والأفكار، إلى زمن نزوح الأجانب واليهود بعد حرب فلسطين، والعدوان الثلاثى فى العام 1956.
يعتبر الكتاب من هذه الزاوية شهادة ووثيقة مهمة على تلك السنوات الخصبة، التاريخ يكتب سطورًا عامة عن تنظيمات شيوعية سرية، ولكنه لا يقول لك لماذا أصحبت فتاة صغيرة عضوة فى خلية شيوعية، التاريخ لا يقول لك كيف كان يعيش اليهودى والمسيحى والمسلم معًا فى بولاق أبو العلا، ولا يروى مأساة الإيطاليين فى مصر بعد أن اعتقلهم الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية.
التاريخ لا يروى تفاصيل الحياة الاجتماعية فى عزبة ريفية فى الفيوم، ولكن الأم نايلة تحكى وتشهد، هى تعتقد أنها تتحدث عن حياتها الخاصة، بينما هى تحكى عن مجتمع وعصر كاملين، إنه «لحم التاريخ الحى»، كما يحلو للناقد الكبير كمال رمزى أن يصف بها تلك السير الذاتية التى تكتب بكل التفاصيل الإنسانية.
وقد حكت نايلة بطريقة لامعة وحية وحساسة، دون أن تفرق بين مشهور ومغمور، لا فرق فى هذه الروح الإنسانية بين حديثها عن يوسف إدريس وفتحى رضوان وهنرى كوريل وحسن فؤاد وأحمد بهاء الدين وفؤاد حداد، وحديثها عن الأب إيليا، والأم لياندرا، وابنة العم سيرينا، وأستاذ الرياضيات، وخليل ناظر الزراعة، والدادة، والسجّانة، وأولاد وبنات الأصدقاء والصديقات.
قيمة الرحلة فى هذا الثراء المعرفى والإنسانى، رغم المعاناة والآلام، حتى فترة السجن، ساهمت فى إنضاج شخصية نايلة، تعدد الأصول والديانات والجنسيات كان أيضًا سببًا فى اتساع أفق الرؤية، وفى تعزيز قيمة التسامح، وفى اكتشاف أن ما يجمع البشر، أكثر مما يفرقهم.
معنى الرحلة التى سجلها الكتاب فى أكثر من 540 صفحة، فى أنه ليس مطلوبًا من الإنسان أن يحقق المعجزات، وإنما أن يكتشف نفسه، وأن يختار ما يجعله يتحقق، النجاح والفشل لا يمكن التحكم فيهما، وربما نفشل أكثر مما ننجح، ولكن نايلة كانت راضية عما فعلت.
ولعل هذا الكتاب، الذى أعتبره من أفضل ما قرأت فى 2018، يثبت من جديد أن التجارب الخاصة تصبح عامة بل إنسانية، إذا رويت بصدق ووعى وبساطة، هكذا حكت المولودة، وهكذا حفرت فينا مشاعر وأحاسيس لا يمكن أبدًا أن تُنسى.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top