ظاهرة تصاعد «منسوب المعرفة» السياسية عند عموم المصريين

27/08/2018 - 09:40:03 pm
$name_subcat
ظاهرة تصاعد «منسوب المعرفة» السياسية عند عموم المصريين

/


نشر فى :
الإثنين 27 أغسطس 2018 – 9:50 م
| آخر تحديث :
الإثنين 27 أغسطس 2018 – 9:50 م

قبل السياقات التى أدت إلى 25 يناير 2011، لم يكن لدى الإنسان المصرى العادى اكتراثا جادا بالشأن السياسى، إلا لدواعٍ وطنية كبرى، على غرار العدوان الثلاثى (1956) وانتفاضة أحكام الطيران (1968).
أما فيما بعد 25 يناير، وبفعل ما تلى من تطورات وتناقضات، فقد بدأت تحولات تدريجية فى اهتمام عموم المصريين بالسياسة.
فى البداية، كان معدل هذه التحولات يتزايد ببطء، ولكن مع تغيرات حادة فى تضاريس الإدارة الاقتصادية/ السياسية للدولة، وتحديدا بدءا بتعويم سعر العملة المحلية (2016)، صار حرص المصريين على المعرفة السياسية يتسارع حتى ارتقت حميتهم فى الفهم (لما جرى، ويجرى، ويمكن أن يجرى) بقدر يكاد لم يحدث منذ ما قبل خمسينيات القرن الماضى.
إنه إذن تحول تاريخى يشير إلى تصاعد «منسوب المعرفة» السياسية لديهم.
ما معنى هذه الظاهرة؟.. كيف بزغت؟.. وما هى ملامحها؟
إنها تساؤلات يجتهد الطرح الحالى فى تناولها.
أولا: فى معنى الظاهرة وأهميتها:
ارتفاع منسوب المعرفة السياسية عند عموم المصريين يعنى الارتقاء فى قدراتهم على الفعل ورد الفعل. وأن يحدث ذلك بالتدريج فإنه أمر ينعكس إيجابيا على جودة نضجهم السياسى، مقارنة بحالتهم أيام حركيات 25 يناير.
لقد تخطى المصريون الموقف الوجدانى، والذى كان محصورا فى مسألة إسقاط الحاكم، حيث قفزوا إلى مسار المعرفة (السياسية)، بما يتضمنه من حركيات مثل استجلاب وتصنيف المعلومات والملاحظات، وممارسة الفهم والتحليل بشأن تضاريس الأحداث ومجرياتها (من توجهات وقرارات وقضايا)…إلخ، الأمر الذى يقود بالضرورة إلى القدرة على التقييم، والتقويم، وتصور البدائل.
هذا وتتجسم أهمية التأهل المعرفى السياسى الحالى فيما يلى:
1ــ أنه يأتى كامتداد لمسار تغييرى طويل (منذ تنحية محمد على ــ 1848)، وليس بالذات (أو بالكامل) كرد فعل على لحظة سياسية جارية، وإن كانت تُشكل الإطار الزمنى المحورى للتأهل.
2ــ أنه برغم أن « 25 يناير» كان هو الحدث التغييرى الذى كسر حالة الثبات النسبى المزمن، التى تحكمت فى الشارع السياسى على مدى أكثر من نصف قرن، وأنه قد جرى بفعل «جماعية» عموم المصريين، إلا أن التغيرات التسلسلية التى تلت لم تكن تخطيطيا بفعلهم، وإن كانوا قد ساهموا فى معظمها (أساسا بالحس العاطفى).
ذلك حيث تمركزت قوة الدفع لهذه التغييرات فى عزوم التوازنات التقليدية للقوى الأكثر بروزا، والتى كانت هى ذاتها المتحكمة فى الشارع السياسى فيما سبق.
3ــ أنه الآن، ومع التصاعد الملحوظ فى منسوب المعرفة السياسية عند المصريين، تتعاظم «الضرورة» لأن يلقى هذا التصاعد الاستيعاب العملى من جميع القيادات الوطنية، من سلطات ومفكرين وسياسيين.
4ــ بمعنى آخر، الشأن الوطنى بحاجة للاستفادة القصوى من القدرة المعرفية السياسية المتصاعدة لعموم المصريين، والتى تُعد المستجد السياسى الاستراتيجى الأكثر أهمية فى مسيرة مصر ما بعد 25 يناير (و 30 يونيو).
هذا، وتترسخ أهمية هذا المستجد فى تلقائية حدوثه حيث لم يأتِ بفعل مباشر من أى جهة.
ثانياــ أبعاد تلقائية التصاعد فى المعرفة السياسية:
تأتى قوة الدفع الأساسية لهذا التصاعد من تراكمات مزمنة لمشاهد نقدية ترسبت فى اللاوعى المجتمعى على مدى زمنى طويل، ثم جرى استحضارها إلى سطح الوعى بفعل رؤى وانفعالات نقدية جديدة، بحيث تشابك ما هو كامن فى اللاوعى مع ما طرأ بشدة على الوعى من مستجدات، مما أدى إلى تصاعد حمية عموم المصريين على الحوار والفهم والتقييم لما يجرى حولهم وبشأنهم من سياسات.
من أمثلة الوقائع التى أحدثت تراكما لآلام مجتمعية دُفنت فى اللاوعى يمكن الإشارة إلى نكسة 1967 (وحكايات مراكز القوى داخل وخارج القوات المسلحة )، والانفتاح الاقتصادى ــ 1974 (كمقدمة للانحراف بالاقتصاد الوطنى)، وحبس مئات المثقفين ــ 1980 (فى حملة لتقييد الرأى الآخر)، وبدء مسار بيع القطاع العام مع التسعينيات (للقضاء على الصناعات الوطنية)، والتعديلات الدستورية ــ 2007 (للتخديم على التوريث).
أما عن المستجدات التى تسببت فى إحياء التراكمات، وارتفاع المنسوب الشعبى للمعرفة السياسية فقد تعددت، ومن أهمها ما يلى:
1) إدراكات لحركيات وضبابيات ترجع بالسياسة إلى سلوكيات تتضاد مع الأخلاقيات:
لقد تلازم حدوث هذه الحركيات والضبابيات مع توقيتات محورية فى مسارات الشارع السياسى. من الأمثلة المبكرة «كشف العذرية» (فى بدايات ما بعد 25 يناير)، ومجزرة ستاد بورسعيد (يناير 2012). وأما أخيرا (2017) فقد قُدم للمحاكمة محام (وناشط سياسى) بتهمة الإتيان بفعل خادش للحياء، فى أعقاب صدور حكم لصالح دعوى كان قد أقامها، وتتعلق بقضية وطنية مهمة، كما وقعت عمليات إيذاء بدنى لنشطاء سياسيين (2018)، أحدهم كان قيادة تنفيذية سابقة، والذى كاد يُقضى عليه أمام منزله، وآخرين بالعشرات، وكانوا يتأهبون لتناول إفطار رمضانى جماعى.
وبصرف النظر عن تفاصيل خلفيات هذه الأمور ومسئولية الدولة بشأنها، فإن الرسالة التى تصل منها إلى عموم المواطنين تكون مؤلمة ومضادة لأساسيات السلام الوطنى.
2) تطرفات وازدواجيات فى المواقف والتعاملات:
عندما تأتى التطرفات والازدواجيات من مؤسسات عليا أو قيادات رسمية، فإن الأمر يتحول إلى تناقض بخصوص مسئوليات الدولة، وفيما يلى بعض الأمثلة:
ــ امتناع البرلمان عن تطبيق قرار لمحكمة النقض بعدم صحة العضوية لأحد الأعضاء.
ــ استبدال التفاعل السياسى مع الشباب المختلف فى تحليلاته ومواقفه السياسية بمجابهات عقابية (السجن ــ الغرامة).
ــ تغيير مسار اختيار القيادات العليا للقضاء من خلال منهج براجماتى، وليس مفاهيميا.
ــ تقليص إعلامى متزايد للآراء والرؤى المخالفة.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن معيار صحة التوجهات السابق ذكرها (وغيرها) يتخطى استيفاءات الشكل «الإجرائى»، حيث يتعلق بصحة الحس السياسى، والذى لا غنى عنه بخصوص «أمن» و«تقدم» المجتمعات.
3) نمطيات جامدة فى مسارات قرارات عليا: ــ
صحة القرارات ليست هى بيت القصيد هنا، وإنما منهجية الطرق والمسارات التى تكون قد اتُبعت. حيث إن الصحة النسبية للمنهجية هى المدخل لسلامة القرارات، وما يتعلق بها من مأمونيات وملاءمات وطنية.
فى هذا الخصوص يمكن الإشارة إلى بعض الأنماط، كأمثلة:
ــ إنجاز التغييرات التى تمس اقتصاديات ومستويات المعيشة من خلال موجات تتمثل غالبا فى ثلاثة مشاهد متتالية، والتى تبدأ بتصريح (أو شائعة) عن اتخاذ قرار ما، ثم خبر ينفى ذلك، وبعدها (غالبا فى أحد أيام الخميس) يصدر القرار ويبدأ التنفيذ الفورى.
ــ المفاجأة بمشروعات ضخمة (على مستوى قومى) دونما مقاربة سياسية/تنموية بخصوص ظروفها ومنافعها وعواقبها، خاصة بالأخذ فى الاعتبار لضغوطات اقتصادية/ اجتماعية كثيفة.
ــ الدفع أحيانا بأن إنجازات (أو مشروعات) ما يُصرف عليها دون تكليف مالية الدولة.. ذلك برغم أن المفترض أن ماليات جميع الأنشطة الحياتية على أرض مصر تخضع بالكامل للإرادة والاعتبارات (والمنظومية) الوطنية.
4) تخوفات من تسارع الهدم الأخلاقى:
بينما كان من الطبيعى أن تؤدى الضغوطات الاقتصادية إلى ارتفاع الأسعار، فإن التحسبات تتصاعد خشية أن تؤدى انعكاساتها الاجتماعية/النفسية إلى ما هو ليس بالطبيعى عند المصريين، وهو حدوث تغيرات سلوكية عمومية فى اتجاه انهيار الأخلاق.
جوهر هذا التخوف يتضمن سؤالا عمليا:
هل يمكن للتحول الاقتصادى المنتظر (طبقا للتصريحات الرسمية) أن يُنجز نتائجه المرجوة قبل أن تنهار الأخلاقيات العامة إلى حد تصعب معالجته، وتتأصل تبعاته بشكل لا رجعة فيه؟!
إنه تخوف يستحيل التفاعل السليم معه فى غيبة مقاربات علمية تقوم على استيعابات سياسية بين جميع أطراف المجتمع.
ثالثا ــ مظاهر التأهل المعرفى السياسى الجارى:
يتجسم هذا التأهل فى حركيات تحوُلية، يمكن رصد ثلاثة ملامح رئيسية لها:
1ــ استيعابات وتساؤلات استراتيجية:
من أمثلة ذلك توافق كبير عند عموم المواطنين بعدم ملاءمة التظاهرات الثورية (على غرار 25 يناير وما بعدها)، خاصة لاعتبارات الحرص والسلامة لعمق الأمن الوطنى. وفى المقابل، تساؤل تلقائى عن السيناريوهات الوطنية الممكنة فى التعامل مع ما يُرى كحيودات.
2ــ تحولات فى الإدراكات والممارسات:
يتجسم ذلك فى جانبين، يختص أحدهما بعموم المصريين، حيث تزايدت قدراتهم على الاستماع النشط لوجهات النظر المعاكسة، وصار الحوار السياسى بينهم وبعضهم أقل حدة عن ذى قبل، مما أدى إلى بزوغ حد أدنى من المعرفة المشتركة لديهم، برغم التباينات فى الرؤى.
وأما الجانب الثانى فيتمثل فى التفاعلات البينية للقوى السياسية، حيث تظهر تطورات نسبية فى التواصل وفى الانتباه إلى نقاط الاتفاق.
3ــ الميل النسبى للموضوعية والاستحمال للآخر:
يتجلى ذلك عند الجميع (عموم المصريين والنشطاء السياسيين).
وبعد.. يبقى الانتباه لما يمكن أن يتشكل من منافع وعواقب لهذه الظاهرة.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top