تركيا.. وعندما تفسد السياسة الاقتصاد «2»

27/08/2018 - 08:40:02 pm
$name_subcat
تركيا.. وعندما تفسد السياسة الاقتصاد «2»

/


نشر فى :
الإثنين 27 أغسطس 2018 – 9:50 م
| آخر تحديث :
الإثنين 27 أغسطس 2018 – 9:50 م

بعد مناقشة الأسباب الاقتصادية للأزمة التى يمر بها الاقتصاد التركى فى المقال السابق، نتحدث هنا عن كيف زاد الوضع سوءا بعدد من القرارات والسياسات التى كانت تبدو أن لا علاقة لها بالاقتصاد، إلا أنها انعكست على الوضع الاقتصادى للدولة وعلاقاتها التجارية مع بعض الأطراف الدولية والإقليمية. ويمكن هنا إبراز أربعة ملفات.
الملف الأول هو ملف القس الأمريكى أندرو برونسون الذى قرر أردوغان القبض عليه بتهمة التجسس لحساب حركة فتح الله جولن وحزب العمال الكردى الإرهابى، المتهمين الرئيسيين بمحاولة الانقلاب الفاشلة فى يوليو ٢٠١٦. وقد عرض أردوغان مقايضة القس الأمريكى بجولن المقيم فى الولايات المتحدة، والذى سبق للسلطات القضائية الأمريكية أن رفضت تسليمه إلى أنقرة. ولكنها خطوة لم يحسبها أردوغان جيدا عندما نعرف أن برونسون ينتمى إلى الطائفة الإنجيلية التى ينتمى إليها نائب الرئيس الأمريكى مايك بانس والتى تشكل إحدى أهم القواعد الانتخابية للرئيس دونالد ترامب. برونسون إذا يمثل قيمة سياسية لدى الإدارة الأمريكية الحالية تتخطى مجرد كونه مواطنا أمريكيا ألقى القبض عليه فى الخارج (مقارنة بنحو ١٥ــ٢٠ مواطنا آخر ممن يحملون الجنسية المزدوجة ــ الأمريكية التركية ــ محتجزين فى تركيا حاليا ولا توليهم واشنطن ذات الاهتمام)، بل وتزداد أهميته مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس وحاجة ترامب إلى حشد أنصاره فى مواجهة سلسلة الفضائح الأخيرة التى طالت بعضا من أقرب مساعديه.
الملف الثانى يتمثل فى استياء الإدارة الأمريكية من إعلان تركيا عن عزمها شراء منظومة الصواريخ الروسية أس ٤٠٠ بدلا من نظيرتها الأمريكية، وبما يمثله ذلك من انتهاك صارخ لقواعد الناتو وما يمكن أن يسببه من إفشاء لأسرار المقاتلات الأمريكية من طراز أف ٣٥ والتى سبق أن تعاقدت تركيا عليها، وبما أدى إلى إلغاء الصفقة الأمريكية بعد ذلك. ومع ما هو معروف من حرص ترامب شخصيا وتباهيه بقدرته على زيادة مبيعات السلاح الأمريكية كما فعل مع دول الخليج وكوريا الجنوبية، فلنا أن نتخيل حجم رد فعل ترامب عندما علم بهذه الصفقة الروسية التركية.
الملف الثالث يتعلق بتحدى أردوغان لقرار ترامب بفرض عقوبات على إيران والتى بلغ حجم التبادل التجارى بينها وبين تركيا فى العام الماضى نحو ١٠،٧٥ مليار دولار، منها ٧،٤٩ مليار دولار صادرات تركية. ولكن الأهم أن نصف واردات تركيا من النفط تأتى من إيران، وهو الأمر الذى يفسر أيضا اتهام واشنطن لأنقرة من قبل الأزمة الحالية بالتحايل على العقوبات والحصار الذى كان مفروضا على إيران، والحكم على النائب السابق لرئيس بنك خلق التركى بالسجن ٣٢ شهرا فى إبريل الماضى بتهمة مساعدة إيران على خرق العقوبات الأمريكية فى عام ٢٠١٢.
أما الملف الرابع والأخير فهو الخلاف التركى الأمريكى حول دور الأكراد فى سوريا الذين تدعمهم واشنطن، واستياء واشنطن أيضا من إقدام أردوغان على التنسيق مع كل من إيران وروسيا فى سوريا.
وهكذا ومع اجتماع هذه الأسباب وتراكمها، نفد صبر الإدارة الأمريكية وصبت جام غضبها على تركيا وأردوغان. فأعلن ترامب عن مجموعة من الإجراءات القضائية ضد وزيرى العدل والداخلية التركيين لدورهما فى اعتقال القس الأمريكى، ليعقبها بعد ذلك مجموعة من العقوبات الاقتصادية تتمثل فى مضاعفة الرسوم على واردات الولايات المتحدة من الصلب التركى إلى ٥٠٪ والألومنيوم إلى ٢٠٪، بدلا عن ٢٥٪ و١٠٪ قبل القرار، وبما أدى إلى تهاوى العملة التركية. ورغم استعادة الليرة بعضا من خسائرها السابقة فى الأيام التالية، إلا أن الثقة فى أداء الاقتصاد التركى قد تقوضت، وأصبحت عملية استعادة هذه الثقة تكتنفها العديد من المصاعب والعراقيل، خاصة بعد أن رفع أردوغان من سقف تحديه للولايات المتحده ولترد تركيا على العقوبات الأمريكية بالمثل.
الظاهر حتى الآن أن أردوغان مصمم على المضى قدما فى طريقه، ويهدد بالبحث عن حلفاء وأصدقاء جدد، وبما يعنى خروج تركيا من حلف الناتو والانضمام إلى التحالف الأوراسى الذى تقوده روسيا؟ فهل يعنى أردوغان ما يقوله حقا؟ أم أنه فقط يحاول ابتزاز الغرب مثلما فعل فى موضوع اللاجئين السوريين من قبل وحصل على مجموعة من التنازلات والمكاسب كان من بينها دعم مالى بـ ٣ مليارات دولار؟ وهنا يراهن أردوغان على حاجة الغرب إليه كحائط صد ضد القادمين من الشرق الأوسط من ناحية، ومن ناحية أخرى لحاجة الغرب أيضا لتركيا كمنطقة عازلة بينها وبين روسيا (رغم ما يحدث من تقارب بينهما الآن). لذا يعتقد أردوغان أن الغرب فى حاجة إليه أكثر مما هو بحاجة إليهم. وهو ما أثبتته التجربة فى أزمة اللاجئين، وزادت من ثقته فى قدرته على فرض شروطه كما يعتقد. إلا أن هذه الثقة الزائدة بالنفس قد تأتى بنتائج عكسية، خاصة وأن الأوضاع والظروف اليوم جد مختلفة عما كانت عليه بالأمس، وما كان يصلح سابقا لا يصلح بالضرورة حاليا. فالنظرة إلى أردوغان تركيا اليوم تختلف عما كانت عليه منذ سنوات قليلة مضت، وخاصة فى أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة فى منتصف عام ٢٠١٦ وما أعقبها من قمع للحريات واعتقالات طالت الآلاف بما أثر سلبا على صورة تركيا كنموذج يمكن تكراره فى المنطقة. وقد زاد الوضع تعقيدا علاقات تركيا المتنامية مع كل من روسيا وإيران كما سلفت الإشارة، حتى ارتفعت العديد من الأصوات فى الغرب، وخاصة فى الولايات المتحدة، لتتساءل عن جدوى الاعتماد على اردوغان كحليف يوثق به، وهو ما يعنى أن رهان أردوغان على ابتزاز الغرب بالتهديد بالبحث عن أصدقاء وحلفاء جدد لم يعد يجدى نفعا. وعلى الجانب الآخر، فإن الغرب يدرك أن على تركيا سداد ٢٢٠ مليار دولار ديونا مستحقة خلال عام من الآن، وأن روسيا أو الصين لن تستطيعا تعويض تركيا عما ستفقده من استثمارات غربية ــ منها ١١٠ مليارات دولار استثمارات أمريكية فقط ــ فى حالة وصول العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة بالذات إلى مرحلة القطيعة والعداء.
المطروح الآن أمام أردوغان خياران. الأول، الحصول على قرض من صندوق النقد الدولى كما يذهب الاقتصاديون وبما يعنيه ذلك من شروط عليه الالتزام بها، فضلا عن رفع سعر الفائدة وبعض القرارات الأخرى، ناهيك عن الإفراج عن القس الأمريكى والعمل على استعادة الثقة بينه وبين واشنطن. وهو الأمر الذى يبدو مسبتعدا الآن، لما يعنيه ذلك من تراجع عن مواقفه وسياساته الحالية وفقدانه لماء وجهه. الثانى، محاولة تكرار نموذج رئيس الوزراء الماليزى مهاتير محمد حين رفض قرض صندوق النقد الدولى لانقاذ بلاده من الأزمة المالية التى عصفت بعدد من الدول الأسيوية فى عام ١٩٩٧. ولكن الظروف والملابسات المحيطة بماليزيا أمس مختلفة عن تركيا اليوم، وأردوغان ليس مهاتير محمد الذى لم يقوض نهجه الاقتصادى بقرارات سياسية. فهل سيختار أردوغان أيا من الخيارين السابقين، أم سيعمل على خيار ثالث؟

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top