عيد المرأة الخالدة

25/08/2018 - 11:00:02 pm
$name_subcat
عيد المرأة الخالدة

/


نشر فى :
السبت 25 أغسطس 2018 – 9:10 م
| آخر تحديث :
السبت 25 أغسطس 2018 – 9:10 م

ما الذى جعل امرأة عاشت قبل 44 قرنا فى ما يسمى الآن العراق تصبح موضوع أطروحات أكاديمية، وكتب، ودواوين شعر، وجمعيات.. هل لأنها أول شاعر وكاتب فى التاريخ يذكر اسمه، وهل لأنها وضعت قبل ألفى عام من الفيلسوف أرسطو تعاليم تربوية للفرد والمجتمع، أو لأنها «شكسبير الأدب السومرى» حسب مؤرخى الأدب العالمى، أو لأن سيرتها الذاتية صارت أناشيد وتراتيل دينية، أو لخلود صورتها الشخصية المنحوتة على قرص طينى، يذكر اسمها ونسبها: «إنهدوانا ابنة سرجون، ملك الجميع»؟

يتكون اسمها «إنهدوانا» من ثلاثة مقاطع «إنْ» يرمز إلى «الكاهنة الكبرى»، و«هيدو» يعنى «زينة»، و«آنا» السماء، ويحاكى اسمها المركب جمال القمر. أبوها «سرجون الأكدى»، مؤسس أول إمبراطورية فى التاريخ وحدت دويلات وأقواما مختلفين دينا ولغة وثقافة، وسوت بين إلهة السومريين «إنانا»، وإلهة الأكديين «عشتار»، وكانت تلك خطوة أساسية لتوحيد «بلاد ما بين النهرين». وعهد«سرجون» لابنته «إنهدوانا» المهمة الشاقة للجمع بين أتباع الإلهتين فكريا واجتماعيا وسياسيا. ويمكن تصور خطورة ما أقدمت عليه إذا فكرنا بامرأة تجرؤ اليوم على الجمع بين الأديان والمذاهب والثقافات فى العراق. وكان أشق ما عانته «إنهدوانا» ولاؤها لمعبودتها «إنانا» وقد كرست حياتها لترفعها إلى مصاف كبار الآلهة، والآن عليها التخلى عنها لتوحيد البلد تحت راية «عشتار» تخاطب «إنانا» فى إحدى قصائدها «أستعطفك. أقول لك كفى هذا القلب الحقود المرير والحزين. يا سيدتى، فى أى يوم ستساورك الرحمة، وكم سيطول عويل صلواتى النائحة. أنا لك فلماذا تذبحيننى؟».

وقد يدرك بقلبه العذاب والمهانة فى هذه الصرخة من تابع أهوال تعرضت لها عوائل وقعت عليها مسئولية السلطة فى العراق عبر القرون. ونصيب «إنهدوانا» من هذه الأهوال النفى والتعذيب والاغتصاب، وهى الأميرة الشاعرة، والمفكرة الروحية، التى «توجد ما بين البركة واللعنة، الضوء والظلام، الوفرة والادقاع، الخير والشر، الحياة والموت. ومهما بلغت قسوة واقعها فإنه الواقع الذى ينبغى على كل كائن حى مواجهته». ذكرت ذلك الباحثة والشاعرة الأمريكية «جودى غران» التى تعتبر ظهور الترجمة الإنجليزية لقصائد «إنهدوانا» فى ثمانينيات القرن الماضى حدثا مدويا: «فنحن نصارع قوة الانفعالات التى تتلف علاقاتنا، وقوة الطبيعة التى تدمرنا، ونصارع العنف الداخلى والخارجى، ونكافح لأجل البقاء بعد أن فقدنا جدارتنا، وأن نؤمن بشىء. وهذه كانت بعض المسائل التى تشغل إنهدوانا أيضا». وكما تتوقع الشاعرة الأمريكية، فى حال استمرار «التقهقر إلى الخلف نحو المستقبل»، فإن قصة هذا القرن سيرويها بدرجة كبيرة أدب «بلاد ما بين النهرين»، وأساطير «إنانا» بالذات.

«إنهدوانا» عيد المرأة الخالدة، أسرت قلوب الباحثات الغربيات بأشعار تتضمن إطراء محببا لأكثر المواضع الأنثوية حميمية. و«الآن يحطم صوت إنهدوانا الصمت الذى أحاط المرأة فى الثقافات والعقائد الدينية السائدة فى الغرب». تقول ذلك «بتى دى شونج»، الطبيبة النفسانية والباحثة فى «جامعة بركلى» فى كتاب ضم مجموعة قصائد «إنهدوانا» وعنوانه «إنانا سيدة أكبر قلب». وتصف «دى شونج» الأبعاد الكاملة للأنوثة فى أشعار «إنهدوانا» التى «تشرع النساء الآن فى استخدامها لإعادة بناء ماض ثقافى كان وضع المرأة فيه مختلفا بشكل هائل عما هو عليه الآن».
وقبل عشر سنوات كتبت هنا عن لوحة «إنهدوانا فى دمشق» للفنانة العراقية الكندية «سندس عبدالهادى». ملامح الجمال السومرى فى وجه «إنهدوانا» المعقودة الحاجبين، وهى تقف فى براءة عريها فى ناد ليلى، فيما يدس رجل أصابعه فى فمها، وخلفه عسكرى بملابس الميدان الأمريكية. ويرمز هذا المشهد لأول اعتداء جنسى مسجل فى التاريخ. «مسح بفمى كفه المبللة باللعاب». هكذا تصف «إنهدوانا» مهانتها على يد حاكم تمرد على سلطة أبيها، ونفاها من «سومر».

محمد عارف
الاتحادــ الإمارات

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top