بيجماليون شارع 26 يوليو

25/08/2018 - 10:20:02 pm
$name_subcat
بيجماليون شارع 26 يوليو

/


نشر فى :
السبت 25 أغسطس 2018 – 9:10 م
| آخر تحديث :
السبت 25 أغسطس 2018 – 9:10 م

كلما مررت بشارع 26 يوليو بوسط القاهرة كانت دائما تستوقفني لافتة محل “الفنية لصناعة المانيكان”، إلى جوار ساعاتي “هنهايات” وتاريخ إنشائه عام 1907. كنت أشعر أنني يجب أن أتوقف هنا ولو مرة وأنني أمام كنز من الحكايات، ولكنني لم أفعل قط، فهما صارا عندي من الأماكن التي اعتدنا رؤيتها ذهابا وإيابا ومن معالم المكان، ضمن الخلفية الدائمة للمدينة، التي نعتبرها رابضة هنا أبدا. وهو ما أندم عليه الآن بشدة بعدما رأيت بقايا العقار 54 وأحجاره كومة من التراب لأنه هدم في ظل ما يسمى بتحديث مثلث ماسبيرو. كنت قد قرأت كثيرا عن تاريخ المحلين في الصحف وقضية هدمهما، لكنني لم أشعر بما شعرت به إلا حينما رأيتهما بأم عيني، وندمت لأنني اكتفيت باستدعاء الخيال عند كل مرور في الزحام وتكاسلت بحجة أنني لن أجد موضعا لترك السيارة. كنت أسرح بخيالي فيظهر لي عم حسني فارس- صاحب محل صيانة وتصنيع المانيكان- وكأنه بيجماليون وسط مجموعة من التماثيل البيضاء، يكلمها وتكلمه. وفضلت أن أنسج له قصصا في الخيال وقد تصورته مثلما بيجماليون الأسطورة الذي أحب تمثال المرأة الذي صنعه حبا جارفا وأصبح لا يقدر على فراقه وحاول أن يبعث فيه الحياة.

***

لقد جرى في هذا الشارع أشياء عديدة، وهو شارع فؤاد سابقا الذي كان يأتي ذكره على ألسنة أبطال الأفلام القديمة والروايات. شرفاته من الحديد المشغول كانت هي الأخرى تلهب خيالي بأشكالها المميزة. أتأملها فيزيد جو الغموض والتساؤل عن مدى الإصرار على هدمها بدلا من الحفاظ عليها وصيانتها كجزء من تراث المدينة، وتتداعى في ذهني الحكايات، من مر من تحت الشرفة ومن وقف فيها، ثم أرجع إلى موضوع المانيكانات: هذه الكائنات المثالية المقاييس التي لا تشيخ ولا يزيد وزنها عن المطلوب لإبراز جمال الفستان أو قطعة الملابس الجاهزة أيا كانت لرجل أو امرأة. أفكر في مقاييس الجمال وشكل الأجسام المكتنزة في بلد تزيد فيه الأوزان وتتراكم الشحوم والدهون واللحوم، ربما بسبب الوراثة أو طبيعة الطعام، خاصة وأن ممارسة الرياضة ليست في متناول الجميع من الشقيانين. أقارن بين من يسيرون أمام واجهة المحال رجالا ونساء، أمعن النظر في السيدات الممتلئات غالبا وقد غطين شعورهن ولبسن العبايا الفضفاضة المزركشة، ثم أرجع ببصري إلى أناقة المانيكان الذي لا يتعدى طوله في مصر 170 سم في مقابل 185 في بعض الدول الغربية. مقاييس الوسط ومحيط الصدر. كاريزما بعض المانيكان التي جعلت عم حسني الثمانيني يقع في حبهم منذ خمسينات القرن الماضي. الجسد الذي فرض مقاييسه مصممو الأزياء والخياطون الأشهر. تاريخ صنع المانيكان نفسه منذ القرن التاسع عشر، ثم إلغاء الكورسيه، عام 1906 ، ذلك الكورسيه الذي كان يشد قامة النساء تحت الملابس. تطور الأزياء وتطور شكل المانيكان في بعض المجتمعات عندما لجأنا في مصر مثلا إلى تصنيع مانيكانات “شرعية” لا تظهر ملامح وجهها.. طمسناها طمسا كي لا نغضب أحدا، كيف تحول عم حسني في صنعته من استخدام خليط الجبس والكتان مع إضافة بعض المواد الأخرى إلى استخدام الفابير جلاس منذ السبعينيات. كيف لقب عم حسني “بفنان الحي” لسنوات طوال، نحات ما تحت الملابس بتفاصيله المحرمة، وقد جاور عائلة أحمد سيد مصطفى خبير الساعات المصري الذي آلت إليه ملكية المحل بعد رحيل الخواجة اليهودي سالمون هنهايات.

***

ظلت الواجهة الخضراء الداكنة لمحل الساعاتي بشكلها المميز نفسه وظلت تفاصيل المحل كما هي، وكان مؤهلا لأن يكون نواة لمتحف للساعات، جزءاً من التراث الحي للمدينة مع تاريخ أقدم صانع مانيكان في مصر. قرأت أنه كان مكتوبا على لافتة مكتب في محل الساعاتي بيت شعر لأحمد شوقي يقول: “دقات قلب المرء تخبره أن الحياة دقائق وثواني”، لكننا في مصر على ما يبدو لا نحسب حساب الزمن ولا نحترمه. يمر بنا مرور الكرام ولا نعرف قيمة الدقائق والثواني والتاريخ الذي نهدمه ببساطة، دون أن نترك فرصة لمن يريد إصلاحه أو ترميمه.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top