كنيستنا الأرثوذكسية بين الشموخ ومحاولات كسرها

24/08/2018 - 11:00:02 pm
$name_subcat
كنيستنا الأرثوذكسية بين الشموخ ومحاولات كسرها

/


نشر فى :
الجمعة 24 أغسطس 2018 – 10:05 م
| آخر تحديث :
الجمعة 24 أغسطس 2018 – 10:05 م

يمتد تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية إلى القرن الأول الميلادى ومنذ البدايات وهى تتبنى النظام الهرمى فى الإدارة، فعند قمة الهرم البابا أو البطريرك، وهو خليفة المسيح ومرقس الرسول يليه الأساقفة ثم الكهنة (قمامصة وقساوسة) منهم من تزوج وأنجب ومنهم المتبتل أو الراهب، وأخيرا الرهبان الذين يقطنون الأديرة ولا يخرجون منها حتى الموت، وهو عكس ماحدث ويحدث فى الخمسين سنة الأخيرة من ترهل فى إدارة الأديرة. وقد كان الباباوات الأوائل يُختارون من العلمانيين منهم المتزوج وغير المتزوج فمن البابا الأول بعد مرقس الرسول ويدعى إينانوس (68 ــ 83 م) حتى التاسع كلاديانوس (155 ــ 166م) كانوا جميعا من العلمانيين ثم الثانى عشر ديمتريوس الأول (188 ــ 230 م) حتى الرابع عشر ديونسيوس (246 ــ 264 م) وسابقه من مديرى مدرسة الإسكندرية من العلمانيين، ثم أشيلاوس (311 ــ 312 م) من مديرى مدرسة الإسكندرية أيضا، وآخر بابا من العلمانيين كان فى القرن الـ13 وكان السبب فى انقطاع العلمانيين من رتبة البابوية هو تحكم المؤسسة الرهبانية فى الكنيسة حتى اليوم.

والكنيسة منذ بدايتها كان لها تأثيرها الضخم داخل وخارج البلاد، وهناك ثلاثة عناصر لها أهمية فى صنع القرار البابا والإكليروس (المجمع المقدس) والشخصيات العلمانية الكبيرة.+

***

عندما هُزمت مصر عام 1967 كتب هنرى كيسنجر تعليقا على هذه الهزيمة فى مذكراته قائلا: « بهزيمة 5 يونيو 1967 انهارت الدولة المصرية تماما ولم يبق منها سوى مؤسستين لم ينهارا هما الجيش والكنيسة الأرثوذكسية، لأن هاتين المؤسستين تتمتعان بنظام إدارى قوى مصمت يصعب اختراقه، لذلك استطاع الفريق محمد فوزى استعادة قوة الجيش فى ست سنوات، وكان العبور الناجح 1973 وهو ما لم يحدث فى تاريخ الجيوش المهزومة، وكذلك وقفت الكنيسة صامدة أمام كل التيارات ولم تهتز وخرجت سالمة».

لكن هذا لا يمنع أن الكنيسة تعرضت لأزمات طاحنة على طول تاريخها نذكر منها مسألة الاتحاد بين الكنيسة الأرثوذكسية المصرية والكنيسة الكاثوليكية بروما، فقد أرسل بابا روما وفدا لإقناع البابا الأرثوذكسى بقبول الاتحاد بين الكنيستين واقتنع البابا يوأنس الرابع عشر (1571 – 1586م) بصفة مبدئية بالقبول ودعا لانعقاد المجمع المقدس. وقد انعقد المجمع المقدس فى مصر القديمة وانقسم الأساقفة بين مؤيد ومعارض لكن صدر قرار المجمع المقدس بقبول الاتحاد لكن هذا القرار لم ينفذ نتيجة إثارة الفريق المعارض للباشا التركى الذى يحكم البلاد بادعاء أن هذا الاتحاد ضد المواطنة المصرية للكنيسة وأهمية الحفاظ على استقلال الكنيسة. وتقول بعض المصادر إن هذه المعارضة دست السم للبابا ليموت القرار معه، وكذلك حرضوا الدولة لعزل البابا 98 مرقس الخامس (1603 ــ 1619م) الذى مال نحو فكرة الاتحاد مع روما والذى تنازل عن البابوية.
حدث آخر أنه فى أثناء الخلافة العثمانية انتشرت أمراض أخلاقية عدة فى صفوف المسيحيين المصريين مثل تسرى أثرياء الأقباط بالجوارى وتروى المصادر القبطية أنه عند زيارة البابا يوحنا 99 لمدينة أبنوب بالصعيد ونزوله ضيفا على أحد أثريائها واكتشافه ممارسة هذا الثرى للتسرى مع الجوارى فقام بنهيه عن ذلك ووبخه ويبدو أن هذا الرجل أحسها إهانة شخصية له فى وسط مجتمعه الصغير المغلق فقام بدس السم فى طعام البابا، وهو ما أدى إلى مصرعه أثناء خروجه من المدينة، كذلك أصدر الأنبا يوساب منشورا ينهى المسيحيين المصريين عن بعض المظاهر اللاأخلاقية التى تمارس أثناء أفراح الزواج وقد تعودوا عليها مثلما يحدث بإحضار الراقصات لهذه الأفراح ولعلنا ندرك أن هذا يحدث حتى اليوم فى الأفراح بشكل عام فى المجتمع وقد واجهت الكنيسة ألعاب الميسر (القمار) بين الأثرياء المسيحيين وأيضا رفضت الكنيسة اللجوء للسحر والسحرة لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين.
***
من أهم المعضلات التى تحدث فى الكنيسة هى عملية صنع القرار فى فترات خلو الكرسى البابوى عقب وفاة البابا وكانت هذه المدة يمكن أن تمتد لسنوات عدة حتى يتم اختيار البابا الجديد وبحسب العرف يقوم مقام البابا أقدم الأساقفة لحين انتخاب البابا الجديد وهو ما حدث بعد وفاة البابا شنودة الثالث حيث قام الأنبا باخوميوس أسقف البحيرة مقام البابا حتى تم اختيار قداسة البابا تاوضروس، كذلك لا توجد معلومة تاريخية عن كيفية صنع القرار فى الفترات التى يختفى فيها البابا عن بطريركيته لفترات طويلة وقد حدث هذا تاريخيا ثلاث مرات الأولى عندما ترك البابا رقم 100 متاوس الثالث (1631 – 1646م) مقره البابوى وسافر إلى مسقط رأسه وبقى هناك لمدة عام، ورحل البابا 103 يؤانس 16 (1676 – 1718م) إلى دير واستمر به فتره طويلة حتى ذهب إليه كبار الشخصيات المسيحية المصرية وطلبوا منه الحضور معهم إلى القاهرة. والسؤال الذى يلح علينا فى مثل هذه الحالات هو ماذا كان موقف الدولة أثناء هذه الأحداث؟

***

وأتصور أننا نستطيع الإجابة عن هذا السؤال عن طريق القياس مع ما حدث من خلاف بين الرئيس السادات والبابا شنودة فى نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات عندما قام السادات بعزل البابا شنودة بسحب مصادقته على اختياره بابا، وقد استقبل الرئيس السادات حينذاك الأب متى المسكين وعرض عليه القيام بأعمال البابا لكنه رفض لأن تقليد الكنيسة يمنع ذلك، وقام الرئيس بتكوين لجنة من خمسة أساقفة للقيام بعمل البابا أثناء غيابه لكن الواقع يقول إن هؤلاء الخمسة لم يكن لهم وجود أو نشاط حقيقى فى هذا الشأن وربما الذين أشاروا للسادات بهذا التصرف من الأرثوذكس المصريين كانوا قد قرءوا فى التاريخ أنه حدث فى أيام البابا 98 مرقص الخامس (1603 ــ 1619م) أن الباشا عزله وقام بتنصيب بابا مكانه وأمر بذلك ونفذت الكنيسة أمره، لكن لم يذكر التاريخ طبيعة القرارات التى اتخذها كل منهما وهل وقعت صدامات أو شىء من مثل ذلك ولقد حاول الدارسون أن يجدوا أى أثر تاريخى لذلك لكنهم فشلوا. وحل هذه المعضلة يتضح بجلاء بما حدث فى أثناء حكم السادات فقد كان البابا الذى سحبت الدولة اعترافها به (البابا شنودة) يدير شئون الكنيسة من الدير وكل الكنائس بدون استثناء يُصلون باسمه ويتشفعون به كرئيس للكنيسة ولا تستطيع اللجنة الخماسية أن تتخذ أى قرارات بل إن اللجنة لم تحاول ذلك من الأصل وكانت القرارات تصدر من البابا شنودة مباشرة للتنفيذ وسار الأمر كذلك حتى توسط لعودته لكرسى البابوية د.القس صموئيل حبيب رئيس الطائفة الإنجيلية حينئذ وطيب الذكر ميلاد حنا وذلك فى عصر مبارك بعد مصرع السادات وكانت شروط مبارك لعودة البابا شنودة لكرسيه أن يوقع البابا على وثيقة عدم معارضة سياسة مبارك وعدم التدخل فى السياسة بشكل عام وهو ما حدث. وأعتقد أن هذه القصة تفسر ما لم يستطع المؤرخون فهمه فى أن البابا يدير شئون كنيسته من أى مكان كان سواء أكان فى مسقط رأسه (متاؤس 100) أم من ديره (يؤانس السادس عشر 103) حتى عندما تعين الدولة بابا آخر محله وهذا يوضح فشل مشيرى السادات من الأقباط المقربين له لعل الحكام يعتبرون.

***

عزيزى القارئ ربما تتساءل لماذا أذكر هذه الأحداث هنا والآن؟ لقد وقعت هزة ضخمة عند المصريين عامة والمسيحيين خاصة بمصرع الأسقف أبيفانوس على يد راهبين بالدير وهى جريمة قذرة بكل المقاييس بسبب أن مرتكبيها من الرهبان والضحية من أعظم الأساقفة علما وزهدا، ونحن هنا لن نتحدث عن لماذا حدث ذلك وكيف؟ لكننا نريد أن نؤكد أن مؤسسة عريقة عمرها أكثر من ألفى عام لم تحدث بها سوى الجرائم التى ذكرناها فى مقالنا وهى لا تصل إلى أصابع اليد الواحدة وهذا فى عمر الزمن لا شىء فالكنيسة استمرت راسخة قوية مع تبدل الحكام من الخلافة الأموية إلى العباسية فالعثمانية فعائلة محمد على فثورة الجيش عام 1952 وحتى اليوم وهى الآن فى علاقتها بالدولة والرئيس والشعب المصرى بمسلميه ومسيحييه فى أزهى عصورها بل وفى علاقاتها مع مسيحيى الخارج سواء من الأرثوذكس أو غير الأرثوذكس فى أفضل حالاتها وذلك لأن خطابها المعلن يدعو للحب والسماحة وقبول الآخر المختلف وهذا هو لب رسالة المسيح ودعوة قداسة البابا تاوضروس من بداية تنصيبه إلى قبول الجميع وعدم التصنيف سواء داخل الكنيسة أو خارجها أعطى هدوءا وسلاما على جميع الأصعدة من رجل الشارع إلى قمة الهرم مما ضيع الفرص على من يقتاتون على الخلافات والاختلافات.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top