فيلم «تراب الماس».. رؤية كابوسية للفساد

23/08/2018 - 11:20:01 pm
$name_subcat
فيلم «تراب الماس».. رؤية كابوسية للفساد

/


نشر فى :
الخميس 23 أغسطس 2018 – 9:45 م
| آخر تحديث :
الخميس 23 أغسطس 2018 – 9:45 م

ملاحظات قليلة لا تنفى أبدًا أننا أمام فيلم سينافس بقوة على ألقاب الأفضل فى معظم عناصر الفيلم السينمائى تقريبا فى 2018، كما أنه عمل هام فى مضمونه؛ لأنه يطرح رؤية كابوسية عن الفساد والمفسدين، مما يستلزم حلولًا فردية قاسية، الجرأة فى تسلسل الصراع عبر عدة أجيال، ومنذ العام 1952 وحتى اليوم، فلا الشر ينتهى، ولا الحلول الفردية (أو الانتقام المضاد) أيضًا.

«تراب الماس»، الذى أعده للسينما أحمد مراد عن روايته المعروفة، وأخرجه مروان حامد، فى تعاونهما السينمائى الثالث بعد فيلمى «الفيل الأزرق» و«الأصليين»، يمكن اعتباره صياغة معاصرة لفكرة «العدالة الفردية»، حيث يتحول الفرد، يأسًا أو تورطًا أو إحساسًا بالظلم، إلى قاضٍ وجلادٍ فى نفس الوقت.

جذور الفكر موجودة مثلا فى «الكونت دى مونت كريستو» وتنويعاته الكثيرة، وموجودة فى شخصية سعيد مهران فى «اللص والكلاب» الفيلم والرواية، ولكن «تراب الماس» يستخدم التيمة بشكل عابر للأجيال تقريبًا، ويلامس أفقًا سياسيا ما زال واضحًا فى الفيلم، مثلما هو فى الرواية، التى صدرت قبل نهاية عصر مبارك، وأعتبرها أفضل روايات مراد، وكانت أيضًا عملًا جريئًا فى وقت صدورها.

الفيلم يتجاوز زمن الرواية، ليقول إنه سيحكى عن 2018، هنا والآن، وستكون هناك تغييرات أخرى فى السيناريو تلائم الزمن الراهن، دون إلغاء أنماط الشخصيات المدانة، والتى سيتم الانتقام منها، من خلال تراب الماس السام، والذى لا يمكن اكتشاف تأثيره، ماضيًا وحاضرًا، ودون إلغاء أصل فكرة الانتقام، التى تضرب فى عمق التاريخ المعاصر، من الجد «حنفى الزهار» الذى حكى لابنه حسين عن ضرورة عدم التنازل عن الحق والقصاص، حتى لو اعتذر المخطئ، فبدأ حسين مبكرًا فكرة العدالة الفردية، ثم يؤدى مقتل الأب حسين إلى دخول ابنه طه، الشاب الصيدلى، إلى نفس الدائرة، لتنظيف المجتمع من قمامته.

يبدأ السرد السينمائى بداية صحيحة بمقتل «حسين الزهار» الأب القعيد، ويحقق السيناريو خطوة جريئة للغاية بكشف سر الأب القتيل فى منتصف الفيلم، الجرأة هنا سببها أن هذا الكشف ذروة كبيرة للغاية، لا بد أن يهبط بعدها السرد، وهذا ما حدث فعلا، إذ ترك الفيلم طه، ليستغرق فى خطوط أخرى مثل حكاية ابن عضو مجلس الشعب الشاذ، ومفتش المباحث الذى بدا متورطًا مع المفسدين، وخط علاقة شريف، المذيع الثورى الانتهازى، وهو إضافة مهمة للفيلم، مع سارة، الفتاة التى أنقذت طه، ولم يسترد الفيلم قوته إلا بذروة جديدة، عندما يواصل طه طريق والده، بتصميم واعٍ وقوى.
باستثناء هذه الملاحظات، فإن الفيلم ينجح على أكثر من مستوى:

رسم الشخصيات بكل تفاصيلها رغم كثرتها، والجمع بين مشاهد حوارية جيدة، وأخرى يلعب فيها المونتاج دورًا مهمًا فى الربط بين أحداث متوازية، كما ينجح فى النهاية فى لملمة كل الخيوط المتشابكة، ولا ينسى الفيلم مع ذلك فكرته التى تجعل الحل الفردى مطروحًا، دون إغفال انتقاد هذا الحل، شقيقة حسين الزهار، التى لعبتها صابرين، تحكى لطه قصة من التاريخ تشكك فى جدوى هذا الحل، واللقطة الأخيرة من الفيلم تغلق الباب على هذا الماضى، من دون المصادرة على رجوعه.
عناصر الفيلم الفنية من تصوير، ومونتاج، وديكور، وموسيقى، وملابس، فى مستوياتها الرفيعة، وسترشح حتمًا للمنافسة على جوائز الأفضل فى أفلام 2018، مروان حامد أيضًا برع إلى حد كبير فى إدارة حشد الممثلين، أفضلهم فى رأيى الثلاثى آسر ياسين وماجد كدوانى ومحمد ممدوح، وأحمد كمال ومنّة شلبى، ظهور عزت العلايلى كان أيضا مميزًا، ربما كان مجهدًا أو متعبًا فى الواقع، ولكن الشخصية عمومًا يناسبها هذا الإجهاد، رجل كل العصور، الذى لم يهزمه إلا التراب.
يمكن أن تستقبل فى النهاية هذه الحبكة البوليسية الصادمة على مستويين:

إما أن تعتبر التطرف فى الفساد الفردى، سيفرز حتمًا تطرفًا فى الانتقام الفردى، أو تنتهى إلى أن كل تراب الماس فى العالم لا يمكنه بمفرده أن ينظف البلد من قمامتها، إذ لا بد من عدالة القانون، ولا بد من الميزان فى الواقع، وليس فى الكتب فقط.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top