أمونة أمونة

أمونة

23/08/2018 - 08:20:01 pm
$name_subcat
أمونة

/


نشر فى :
الخميس 23 أغسطس 2018 – 9:45 م
| آخر تحديث :
الخميس 23 أغسطس 2018 – 9:45 م

عندما فكرت في الكتابة عنها لم أفكر في أن أجعل اسمها المذكور في الوثائق الرسمية عنوانا لمقالي ، وجدت أن اسم الدلع “أمونة” أقرب لشخصيتها ولتركيبتها الإنسانية من اسم أمينة شفيق، فعلى الرغم من أن أمينة شفيق اسم له شنّة ورنّة كما يقولون ، إلا أنها ببساطتها تجبرك على أن تعبر أي فارق اجتماعي أو عمري يفصل بينك وبينها فلا تفكر أبدا أن تسبق كلامك معها بلقب “حضرتك” ، ثمة تناقض منطقي بين هذا اللقب وبين مفرداتها عن القضية الزراعية والقطاع العام وحركات التحرر، وستجبرك حين تقترب منها أكثر أن ترفع التكليف معها وتناديها “أمونة ” دون أي إضافات . قلت لها: سأسمّي مقالي عنك “أمونة” ، ردت قائلة : هكذا كانت تناديني أمينة السعيد .

***

عرفتُ أمينة شفيق عن قرب عام ٢٠٠٣ عندما سافرت معها لأول مرة في إلى برلين في جولة من جولات الحوار المصري -الألماني الذي تنظمه الهيئة القبطية – الإنجيلية، وعندما أستحضر بعض أحّب الشخصيات إلى نفسي أَجِد أنني تعرفت عليها جميعا خلال العقدين الأخيرين في إطار الهيئة . نزل علينا خبر سقوط بغداد في التاسع من إبريل ونحن مجتمعون مع الألمان نزول الصاعقة ، فواصلنا الحديث عن التعددية وقبول الآخر فيما كانت عقولنا وقلوبنا قد حطت على شاطئ دجلة لا تبارحه . نعم كان الخبر متوقعا مع كل هذا القصف الوحشي الأمريكي – البريطاني الذي لا يهدأ لكن هكذا هي كل النوازل تصعق حتى ما يكون منها متوقعا. ومع ذلك وكعادتنا نحن المصريين حين نداوي جراحاتنا بالسخرية ، كنا إذا عبرنا الطريق نرفع أصواتنا قائلين “إحنا بتوع الشرق الأوسط الكبير” كأنما لنُسمِع الدنيا تهكمنا على المشروع الشهير لبوش الابن. وفي المساء حين كنا نجلس إليها .. إلى أمونة فإنها كانت تعيد ترتيب “أوراق الكوتشينة” داخل عقولنا في تفسير الظاهرة الاستعمارية على مدار التاريخ فنتعرف عليها أكثر. ثم نترك ألمانيا فلا تشتري منها أمونة إلا خبزا أسمر مغطي بحبات اللِب المحمص، خبز من ألمانيا ؟! نعم خبز من ألمانيا.. نتعرف عليها أكثر فأكثر .

***

هكذا أخذ البورتريه السياسي لأمينة شفيق يكتمل أمامي خطاً خطاً، أما البورتريه الشكلي فواضح للجميع . امرأة معجونة بحب النقاش فما نجتمع في ندوة أو لقاء إلا وترفع أول يد طلبا للكلمة، مضيفة لما قيل أحيانا ومعترضة عليه في أكثر الأحيان. هذا الاعتراض كلفها كثيرا في علاقتها مع السلطة، انضمت إلى التنظيم الطليعي وفُصلت منه أربع مرات لأنها كانت تختلف، لماذا كانت تعود إذن؟ كانت تعود لأنها تتقاطع مع المشروع الناصري في بعديه الوطني والاجتماعي ، وعندما تسمع منها شهادتها علي العام ١٩٥٦ (بألف ولام التعريف كما تسميه ) حين كانت مصر تصنع تاريخها وتُلهِم حركات التحرر في بلدان الجنوب- تدرك جيدا لماذا صارت هي جزءا من هذا المشروع ، وتفهم أيضا لماذا انتقلَت وهي في مقتبل حياتها من مراسلة للأخبار في منطقة القناة إلى التطوع لمساندة الفدائيين ، لكنها تمنت لو أن هذا المشروع أوجد مؤسسات ديمقراطية تحميه، وهذا ما كانت فيه تختلف. أما تجربتها مع السادات فكانت شيئا آخر لأن اختلافها مع مشروعه كان أكبر اقتصاديا وسياسيا، هكذا دخلت مع بداية حكمه عام ١٩٧١ إلى مجلس نقابة الصحفيين لكنه نقلها في نهاية حكمه عام ١٩٨١ إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ، وبين التاريخين شاركت في تأسيس حزب التجمع وخاضت معارك ضد كامب ديڤيد و ضد تصفية القطاع العام . ثم جاء مبارك واختلف السياق في بعض تفاصيله ، لكن معاركها مع السلطة استمرت، وكانت معركتها الكبرى مع مبارك حول قانون ١٩٩٦ لتنظيم الصحافة .

***

آتي إلى البورتريه الشكلي لأمونة وهو مميز بالتأكيد، وجهها خال من المساحيق ، شعرها القصير المموج غير المصبوغ يعطيك الانطباع أنه يعبر عن تمردها وهي لا تصحح انطباعك مع أنه غير صحيح ، هي اضطرت لذلك لأسباب طبية . عادة ما تلف عقدا من الخرز الملون حول رقبتها أما هذا السوار المعدني حول معصمها فله أيضا أسبابه الطبية، وتلك هي كل زينتها. تعلق على كتفها حقيبة كبيرة بقدر ما تقوي على الحمل ولا ترتدي إلا البنطلون من سنوات طويلة، أسألها : هل كنت ترتدين البنطلون في الستينيات ؟ تجيب : لا كنت أرتدي الچوب مثل كل نساء مصر .. الآن أَجِد البنطلون أسهل في الحركة ولا أعرف من أين أشتري الچوبات في مصر .

***

تواجه أمونة المجتمع الذكوري كما تواجه أي سلطة غير ديمقراطية وتدافع بقوة عن حقوق النساء بالمعني الواسع الذي لا يختزلها في المجال السياسي ، لكنها كما تقول تعرف حدودها فهي لا تترشح لمنصب نقيب الصحفيين وإن وصلت لمنصب السكرتير العام ولا تنافس على رئاسة حزب التجمع وإن وصلت لعضوية اللجنة التنفيذية، تفسر ذلك كما يلي: هم لا يقبلون المرأة في الموقع الأعلى . بدا لي أن تفسيرها هو نفسه يحتاج إلى تفسر، فمنذ متى هي تقبل بتوازنات القوة المختلة وقد حاربت بشراسة لتغير قواعد اللعبة سياسيا ونقابيا واجتماعيا ؟

***
لا يحتاج من يعرف أمينة شفيق أي مبرر كي يكتب عنها في أي وقت وبدون أي مناسبة فالمناضلات على شاكلتها لسن كثيرات ، مناضلة لا تتوقف عن الدفاع عما تؤمن به ولا تخسر المختلفين معها أبدا .

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top