قانون «القومية اليهودية»: ماذا يُغير وكيف نناضل؟

21/08/2018 - 08:00:02 pm
$name_subcat
قانون «القومية اليهودية»: ماذا يُغير وكيف نناضل؟

/


نشر فى :
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 – 8:50 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 21 أغسطس 2018 – 8:50 م

نشر موقع السفير العربى مقالا للكاتب «مجد كيال» عن مضمون قانون «القومية اليهودية» الذى صادق عليه الكنيست الإسرائيلى أخيرا، والذى ينص على أن دولة إسرائيل هى الوطن القومى للشعب اليهودى، واللغة العبرية هى لغة الدولة الرسمية الوحيدة، مع قصر حق تقرير المصير على اليهود، وتأكيد أن القدس الكبرى والموحدة العاصمة الأبدية لإسرائيل، بالإضافة إلى الحديث عن سبل نضال الفلسطينيين ضد هذا القانون.
بداية ذكر الكاتب أن فنتازيا الأيديولوجيا الصهيونية تَطْلب نفى الوجود الفلسطينى. ودولة إسرائيل هى آلية تجسيد هذه الفنتازيا. لذلك، فإن كل صراع بين الفئات الاجتماعية الإسرائيلية للسيطرة على الدولة، يبدأ فعليا من السيطرة على أدوات قمع ونفى الفلسطينيين. ولذلك أيضا فإن «قانون القومية» يعبر عن انتقال إدارة القمع من عقلانية الجهاز القضائى الأرستقراطى المتمثل فى المحكمة العليا، إلى عقلانية الأغلبية الشعبية المتمثلة فى البرلمان.
لا يزيد «قانون القومية» الإسرائيلى مثقال ذرة لا فى جوهر الصهيونية وأهدافها، ولا فى واقع ممارساتها الإجرامية. لكنه يفسح المجال والإمكانية لتأسيس آلية قمع جديدة تستبدل آلية القمع القديمة، من حيث الأدوات والديناميكية والخطاب. لا نعرف إلى أى عمقٍ سيصل النظام الصهيونى فى تغيير آلية قمعه، لكننا نعرف أنه تغيير ناتج تلقائيا عن تحولات داخلية فى المجتمع الإسرائيلى، وتحولات خارجية، فلسطينية وعربية ودولية. ونعرف أن «قانون القومية» لا يخلق بنفسه هذا التغيير فى آلية القمع، إنما يُفسح الإمكانية القانونية لتجسيده.
تحتاج آلية القمع إلى ضابط عقلانى ــ مُرشدٌ يُعنى بضبط الفنتازيا الأيديولوجية خلال عمل القوة التنفيذية على تحويلها إلى واقعٍ سياسى. ليست وظيفة هذا «الضابط العقلانى» أن يحفظ حقوق الإنسان ولا أن يحرس الديمقراطية. وظيفته أن يحفظ التوازن بين الفنتازيا وأهدافها الدموية من جهة، والظروف الموضوعية التى تسمح لها بالتحقق من جهةٍ أخرى. منذ النكبة، أدت المحكمة الإسرائيلية العليا وظيفة هذا الضابط العقلانى، وقد انطوى هذا الأداء على ميزات اجتماعية وسياسية معينة، أهمها انتماء الجهاز القضائى إلى نخبة اجتماعية أشكنازية ترى بنفسها وصية على الأيديولوجية كما ترى بنفسها أبا مؤسِسا للدولة. ويرتبط هذا بالهوية العرقية الأوروبية التى أعطت هذه المجموعة «تفوقا» استعماريا نابعا من قيم وتقاليد «التنور» الأوروبية، بمعاداة محيط مشرقى «متخلف». وهكذا أدت المحكمة العليا وظيفتها فى أن تُدير الجريمة من خلال صياغات تحافظ على طابعها «المتنور».
أما المجال الذى يُفسحه «قانون القومية» فهو انعكاس لتغير فى حاجة الاستعمار الإسرائيلى إلى «ضابط عقلانية» يكتسب قوته من نخبويته وتفوقه الأوروبى وقدرته على تبرير الجريمة للعالم بمسوغات قضائية، مقابل «ضابط عقلانية» يكتسب شرعيته من «الأغلبية» المتمثلة فى البرلمان، وهى أغلبية من الأجيال والفئات التى انتفت هويتها ومصالحها تحت هيمنة النخبة الأوروبية، وهذه الأخيرة حاولت فرض قيمها «العلمانية» وميزاتها الثقافية على كل «الإسرائيليين».

كل ما يتيحه «قانون القومية» أتاحته المحكمة العليا سابقًا
لا يُمكن أن نجد أى فعلٍ عنصرى وقمعى عجزت إسرائيل عن تنفيذه قبل قانون القومية وصار ممكنا من بعد سن القانون فى منتصف شهر يوليو الأخير. كل محتوى القانون الجديد ــ بالمطلق ــ مُشرع ومنصوص فى القرارات المرجعية للمحكمة العليا، علاوة على سياسات وقرارات الحكومات الإسرائيلية كلها دون استثناء.
حق تقرير المصير الحصرى لليهود؟ حتى فى قرار المحكمة العليا الأكثر «إنصافا» للفلسطينيين فى تاريخ القضاء الإسرائيلى (المعروف باسم «ملف قعدان»)، يؤكد القضاة على أن المواطنين الفلسطينيين «متساوو الحقوق» لأنهم «موجودون فى هذا البيت»، أما «مفتاح البيت الخاص فهو محفوظ للشعب اليهودى». إقامة بلدات لليهود فقط: قانون «لجان القبول» الذى سنه البرلمان ثم صادقت عليه المحكمة العليا عام 2014، يسمح لأكثر من 430 بلدة يهودية بمنع سكن الفلسطينيين فيها. تشجيع بناء البلدات اليهودية: منذ النكبة بنت الحكومات الإسرائيلية أكثر من 700 بلدة ومدينة يهودية (غالبيتها ضمن مشاريع معلنة لتهويد النقب والجليل) دون بناء ولو بلدة واحدة للفلسطينيين. على العكس، هجرت وهدمت بلدات فلسطينية، بمصادقة المحكمة العليا، لصالح إقامة بلدات يهودية. اللغة العربية لم تعد «لغة رسمية»: لم تسن إسرائيل يوما قانونا يعتبر العربية لغة رسمية. للغة العربية مكانة رسمية بموجب قوانين الانتداب البريطانى التى انتقلت كما هى لكتاب القوانين الإسرائيلى. واضطرت المحكمة العليا لاحقا للحسم بشأن مكانة اللغة العربية. وعلى الرغم من أن المحاكم وافقت على بند القانون البريطانى، فإنها اعتبرت العبرية هى «اللغة الأساسية، وأن تطويرها وازدهارها وتعزيزها قيمة مركزية لدولة إسرائيل»، وهو ما يجعلها اللغة التى تُدار بها كل شئون الدولة، بعكس اللغة العربية. وهو ما يعنى أن اللغتين العربية والعبرية لم تكونا أبدا فى موضع تساوٍ.

«الثورة الدستورية»: مساواة فردية ضمن التفوق العرقى
ما يسميه البعض «يمينا ويسارا» فى إسرائيل هو صراع فئوى اجتماعى على امتلاك أدوات الهيمنة والقمع. وقد وصل الصراع بين هذه الفئات الاجتماعية إلى ذروته فى سنوات التسعينيات من القرن الماضى، وبدأ حسم الصراع نهائيا مع اغتيال رابين. تصاعد هذا الصراع الطبقى والفئوى داخل إسرائيل لاحقا مع تغيرات بنيوية عديدة داخل المجتمع، بُنيت كلها على الهيمنة الأشكنازية والإجحاف التاريخى بحق سائر الفئات الاجتماعية، وأهمها اليهود الشرقيون. ومن هذه التحولات الموضوعية، دخول اقتصاد إسرائيل آخر مراحل تحوله نحو النيوليبرالية التامة، وانفتاح سوق الإعلام الإسرائيلى بشكل شبه كاملٍ، ليصبح التنافس على قطاعات المستهلكين دافعا نحو تعزيز النزعات الهوياتية عوضا عن منطق «فرن الصهر» الذى سعى لخلق «هوية ثقافية إسرائيلية» موحدة. الأجهزة الأمنية تراجعت عقائديتها مع الزمن لتتحول إلى مجرد سوق عملٍ بالنسبة لطبقات إسرائيلية تُعتبر ضعيفة، علاوة على الفجوات الطبقية داخل الجهاز العسكرى ذاته. الهيمنة الدينية والنخب الصهيونية المتدينة وغيرها… هذه كلها ميزات اجتماعية واقتصادية أضعفت المبنى الاجتماعى القديم للصهيونية وخلقت واقعا جديدا.
من هذه التحولات الموضوعية، دخول اقتصاد إسرائيل آخر مراحل تحوله نحو النيوليبرالية التامة، وانفتاح سوق الإعلام الإسرائيلى بشكل شبه كاملٍ، ليصبح التنافس على قطاعات المستهلكين دافعا نحو تعزيز النزعات الهوياتية عوضا عن منطق «فرن الصهر» الذى سعى لخلق «هوية ثقافية إسرائيلية» موحدة.
فى بداية التسعينيات من القرن الماضى، سن البرلمان الإسرائيلى قانون أساس يخص «كرامة الإنسان وحريته»، وقد استخدمت المحكمة العليا هذا القانون لتُطلق ما يعتبره القانونيون الإسرائيليون «ثورة دستورية». كيف عملت هذه «الثورة»؟ فى سياق حقوق الفلسطينيين فى الداخل، استُخدم هذا القانون لتصدر المحكمة العليا قرارات تصوغ مفهوم المساواة فى إطار الأيديولوجيا العنصرية ــ تُحول التفوق العرقى إلى حالةٍ بديهيةٍ، وتُؤبد حالة الغبن التاريخى الناتج عن المجازر والتطهير العرقى والحسم فى سرقة الأرض وتدمير القرى المهجرة. ثم السماح، من قلب هذه الحالة الكارثية جذريا، بحقوق حياتية فردية لِما تبقى من فلسطينيين فى إسرائيل.
لكن هذه «الثورة الدستورية» العنصرية والمستعلية فى جوهرها، والعادلة فى طابعها، فشلت فى فرضيتها الأساسية: تأبيد الهزيمة الفلسطينية وجعلها بديهية. نهضت الانتفاضة الثانية واستطاعت (على جميع إشكالياتها) كسر هيمنة تيار فلسطينى اعترف بشرعية الاستعمار الإسرائيلى، وانخرط فلسطينيو الداخل فى بدايتها ليحسموا فى الشوارع أولوية الولاء الوطن. وتلاحقت عدة مراحل زعزعت بديهية الوجود الصهيونى التى افترضتها النخبة الصهيونية الأوروبية، وبالتالى انهيار أسس «الثورة الدستورية» للمحكمة العليا. لذلك، يأتى «قانون القومية» ليؤكد ويفرض الجانب العنصرى الذى اعتبرته النخبة الأوروبية «بديهيا» فى «قانون أساس كرامة الإنسان وحريته».
فشلت «الثورة الدستورية» فى بداية تسعينيات القرن الفائت ــ مستندة إلى قانون «كرامة الانسان وحريته»، العنصرى الاستعلائى فى جوهره، والعادل شكليا ــ فى فرضيتها الأساسية: تأبيد الهزيمة الفلسطينية وجعلها بديهية.
وظيفة «قانون القومية» الفعلية أن يقيد تدخل المحكمة العليا (بالاعتماد على قانون أساس «كرامة الإنسان») بقرارات البرلمان والحكومة. ليس بالتناقض مع هذا القانون وإنما بالجهر بفرضيته الأساسية والتأكيد عليها دستوريا، وذلك بعد أن «باحت» بها كل قرارات المحكمة العليا فى مئات الصفحات التى انحصرت قراءتها على الأكاديميين، بينما هى تصوغ أسس الحكم الإسرائيلى.
كيف يُقاوَم القانون إذا؟
ختاما يضيف الكاتب أنه لا يكمن البديل النضالى الحقيقى فى مناهضة القانون باعتباره قانونا قائما بحد ذاته، ولا ببدء النضال من حيث شاء الطغاة له أن يبدأ كل مرةٍ من جديد. المطالبة بإسقاط القانون خطيرة ومرعبة بدلا من المجاهرة بمقاومة روحه الفاشية ومبادئه العنصرية وجوهره الاستعمارى. كيف يكون ذلك؟ من خلال المطالب التحررية القيمية التى من شأنها أن تصطدم بكل حرفٍ جاء فى هذا القانون.. بالقول بأن الشعب الفلسطينى يمتلك حقا موحدا بتقرير المصير على أرضه التاريخية الموحدة. وأن المواطنة فى فلسطين مصدرها الانتماء للوطن، لا لعرقٍ ولا لدين. وأن العلم الوحيد المقبول للدولة هو العلم الذى رفعه الضحايا، والنشيد الوحيد الممكن لهذه البلاد هو ذاك النشيد الذى صاح به المكبوتون. وأن العودة إلى فلسطين مكفولة لمن طُردوا منها بفعل الاستعمار الصهيونى فقط، وأن الدولة لن تُدافع عن «أمن وسلام اليهود فى كل مكان فى العالم»، إنما عن أمن وسلام كل إنسان ــ باعتباره إنسانا أينما كان ــ ضد الملاحقة والعنصرية والتمييز. وأن «يوم استقلال إسرائيل» لن يبقى إلا يوما للحداد على كل قطرة دمٍ أُزهقت بسبب الاستعمار وإسقاطاته، وأن هذه البلاد لن تعيش عيدا إلا ذاك الذى يكفل الحرية والكرامة لجميع الناس.

• النص الأصلى

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top