صباحٌ مُختصَر

18/08/2018 - 01:40:01 am
$name_subcat
صباحٌ مُختصَر

/


نشر فى :
الجمعة 17 أغسطس 2018 – 9:20 م
| آخر تحديث :
الجمعة 17 أغسطس 2018 – 9:20 م

كان النسيمُ عليلًا والفرحةُ تملأ الوجودَ، وأشعةُ الشمس القوية الأصيلة تنعكس على اللافتة المُستطيلة، فتورثها بريقًا يؤلم العين. اللافتة مُلونة وألوانها زاهية صريحة؛ إطار أحمر وخلفية صفراء، أما الكتابة؛ فمرات زرقاء داكنة، وأخرى بيضاء. مؤثر بصريٌّ قويُّ الحضور؛ ينبه المارة ويدفعهم لقراءة المكتوب.
***
وقف زيدٌ أمام اللافتة وقد جذبته الكلمة البارزة التي تقع على رأسها: “نشتري”. الشراءُ في العادة مُغرٍ، خاصة إذا كان الزبونُ هو البائع، والشاري هو التاجر، والمكسبُ للطرفين مُحقق وأكيد؛ لكن البضاعة مَحَل الإعلان والتوصيف، بدت للوهلة الأولى عجيبة.
طالع زيدٌ العبارة المنقوشة بخطٍ جليّ عريض: “نشتري مليون عراقي ملغي”. اتسعت عيناه دهشة، وكفَّ النسيم عن مداعبة وجهه للحظة؛ فلفحته الشمس قليلًا، وأسالت مِن جبينه حبات عرق صغيرة لامعة. تسمَّر في مواجهة اللافتة مليًا، ثم راح يفرك عينيه فركًا عنيفًا، ويكرر غلقهما وفتحهما مرات متتالية؛ رغم ذلك، بقيت العبارة على ما هي عليه؛ لم يتغير فيها شيء، ولم يظهر في عينيه عطبٌ يعيد تشكيل ما قرأ.

أدرك زيدٌ بيت القصيد بعد ثوانٍ مِن التحديق؛ المقصود هو العملة العراقية، بلا ريب ولا تشكيك. المَحذوف مَفهومٌ مع الصبر والتروي، لكن الصياغة المُبتسرة بدت صادمةً مُزعجة، تخلو مِن اللياقة، وتفتقر إلى حساسية الكلمة ورهافة التعبير. ألح عليه الخاطر الذي دهمه قبل اكتمال الفَهم: مَن المَلغي يا ترى؟ البشر أم الجماد؟ من فيهما القابل للبيع والشراء؛ أم تراهما اليوم سواءً بسواءٍ؟
***
العبارة مُختصَرة مُكثَّفة؛ قد تخدم الغرض الذي صُكَّت مِن أجله، لكنها في الوقت ذاته تبدو فجة، وفجاجتها مُخيفة بالنظر إلى السياق الأليم؛ بلغ البؤس مداه وفاض، حتى نطقت به أدنى الصور وأهون التفاصيل.
***
اللافتةُ مَنسوخةٌ عشرات المرات، لا يمكن تجاهلها ولا الفرار منها. لم تُعَد صياغتُها، ولا توارت خجلًا؛ بل راحت تستشري وتتوغل. انتشرت انتشارًا واسعًا، واستقرت في الشوارع والميادين؛ لا تسقطها رياح، ولا يحنيها نسيم. لم تترك عمود نور، أو جذع شجرة؛ إلا وتعلقت به، وكأنها جزءٌ لا ينفصل منه، وقد ازدانت بأرقام الهواتف التي تنتظر اتصالات الزبائن المهتمين؛ غير عابئة بالخلل، ولا بما تخلق مِن دهشة وشجن.
***
ثمةُ نصوصٌ يسعى أصحابها إلى اختزالها، فتخرج في النهاية ممسوخة، مُشوَّهة، تنوء بأخطاءٍ جسام. مِن هذه الأخطاء ما يقوّض بناءَ اللغة، وما يضرب عمقَ المعنى. النماذج الدالة وفيرة؛ يكفي إلقاء نظرة فاحصة على إعلانات العقارات والسيارات، تلك التي تكتظ بها صفحات الجرائد العامة والمُتخصصة؛ للوقوف على اختصارات لا حصر لها، تجعل المكتوب مُرتبكًا مُفككًا، والمعلومات غير واضحة؛ أحيانًا ما تكون مُضحكة، وفي أحيان أخرى تتحول إلى مَلهاة مُهينة ومُبكية. هدفُ الاختصار في هذه الحالات ليس إلا ترشيد النفقات، فالمساحة الإعلانية باهظة الثمن، تُحصَى لها الأحرفُ، ويحذف منها ما تيسر، طالما أوفى ما تبقى بالهدف.

***
بعضُ الناس يملكون قدرة مدهشة على التعبير عما يريدون بأقل الكلمات عددًا، وأعمقها أثرًا. قال الولدُ لمحدثته : “ما حساش بالناس؟!َ”. كان يستنكر ما بثت في حديثها له مِن تعالٍ وصلفٍ، وقد أوجعت عبارته القصيرة مَن سمعها أشد الوجع. المذيعة وحدها لم تشعر بشيء، ولا قدرت صفعةَ القول المُقتضب؛ استكملت الموعظة، وراحت تهاجم الولد، وتصر على إدانته وتخطيئه واستتابته، فيما انبهر أغلب المتابعين ببلادة المشاعر المُتجسدة، وسخروا منها، واستفاضوا في السخرية والتوبيخ.
نالت المذيعة مِن الغضب والانتقاد مقالاتٍ مُطولة، وظلَّ التعبير المُختصر الذي لفظه في وجهها الولد؛ خير ما قيل. سقطت محاضرتها العصماء من الذاكرة وبقي كلامه فيها؛ حتى لقد صار عنوانًا للأعمدة الصحفية، وتداولته المواقع الإلكترونية، وبات مأثورًا شعبيًا على الألسنة.
***
الاختزالُ فنٌ. اختصار الفقرةِ في عبارة، والعبارةِ في جملة، والجملةِ في كلمة؛ فنٌ. هز زيٌد رأسه أمام اللافتة الراسخة، ثم أشاح بوجهه، ومضى دافعًا النسيم بعيدًا عنه. صباح مُختصَر مُفيد.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top