تجربتان تاريخيتان أمام العرب

16/08/2018 - 02:20:01 am
$name_subcat
تجربتان تاريخيتان أمام العرب

/


نشر فى :
الأربعاء 15 أغسطس 2018 – 9:10 م
| آخر تحديث :
الأربعاء 15 أغسطس 2018 – 9:10 م

موضوع الفرق والعلاقة بين تعبيرى «السلطة» والقوة «يهمنا، نحن العرب، لأنه يجثم فى قلب الحياة السياسية العربية.
كأحد المداخل لفحص الموضوع يجدر بنا أن نسترجع مقولة شهيرة لماركوس سيسرو، رجل الدولة والخطيب الجماهيرى المفوّه والفيلسوف الذى عاش فى روما، عاصمة الإمبراطورية الرومانية، منذ واحد وعشرين قرنا من الزمن. يقول سيسرو واصفا الحياة السياسية فى روما، بدقة وفهم عميق: «إن القوة هى عند الشعب، أما السلطة فهى فى مجلس الشيوخ».
يقول المؤرخون بأن سيسرو قد عنى بذلك القول بأن مواطنى روما كانوا يملكون من القوة ما يستطيعون بها التأثير على قرارات مجلس الشيوخ، لكن امتلاك السلطة لاتخاذ القرارات وتنفيذها كان فى يد أعضاء ذلك المجلس. كان مواطنو روما يؤثرون من خلال حقِّهم فى تكوين تجمعات تُتداول فيها وتناقش بحرية شتّى المواضيع العامة، قبل أن ترفع وتصل إلى مسامع مجلس الشيوخ.
نحن أمام ممارسة للقوة من قبل الشعب وما يماثل فى أيامنا مؤسسات مجتمع مدنى، تقابلها ممارسة للسلطة من قبل مؤسسة حكم مهيمنة على الحياة العامة. هذا تلخيص لواقع الحياة السياسة فى روما ما قبل الدكتاتوريات الإمبراطورية المتسلطة المستبدة المتعجرفة. أما بعد قيام تلك الدكتاتوريات الإمبراطورية فقد أصبحت القوة والسلطة فى يد الإمبراطور، وبدأ العدّ التنازلى لتفسّخ الحياة السياسية ودمار الإمبراطورية.
هل هناك درس وعبرة فى واقع مجتمعى تواجد منذ أكثر من ألفى سنة؟ الجواب هو «نعم» فوجود القوة المؤثرة، المستقلة والمنفصلة عن سلطة الحكم، فى شكل «تربيونات»، أى مجالس شعبية، كان كفيلا أن يوجه مسار السلطة من خلال اقتراح القوانين، وأن يحد من انفلاتها فى ممارسة التسلط من خلال إعلان المجالس فى مناقشات علنية عن رفضها لبعض قرارات مجلس الشيوخ.
كانت «التربيونات» قوة شعبية حقيقية، تمثل مصالح الإنسان العادى. نوع علاقة قوة المجتمع تلك ومستوى تفاعلها مع السلطة الحاكمة هما اللذان أوجدا التوازن فى روما وفى ممتلكاتها الإمبراطورية الواسعة.
يدور فى الذهن سؤال محير: لماذا استطاع قادة روما فى زمن ما قبل التاريخ الميلادى الانتباه إلى أن السلطة المطلقة ستقود إلى المفاسد والظلم، ما لم توازنها قوة المجتمع، بينما فشل قادة الخلافات الإسلامية المتعاقبة، بعد عدة قرون من ذلك التاريخ الرومانى، فى الانتباه إلى تلك البديهة السياسية وتطبيقها فى الواقع العربى الإسلامي؟ لماذا سمح قادة وفقهاء وكتاب تلك الأزمنة بتمركز السلطة المطلقة فى يد الخليفة، بعد استلامه الحكم مباشرة وإلى أن يموت؟
لماذا لم يطور مثلا نظام «أهل الحل والعقد» ليصبح مشابها لنظام «التربيونات» الرومانى، وليمنع حدوث فظائع الظلم والفساد الذى عاشته الخلافات العربية الإسلامية قرنا بعد قرن؟
هل أن السبب كان فى الإقحام الانتهازى للدين فى السياسة وصراعات الحكم؟ ألم يقحم الخليفة معاوية الأموى الدين بشكل نفعى انتهازى عندما قال للناس بأنه إن حكم بالعدل فلأن مشيئة الله قدرت ذلك، وأنه إن حكم بالظلم فلأن مشيئة الله أيضا هى التى قدرت ذلك؟ وبالتالى هل كان للناس أن يعترضوا على مشيئة الله سبحانه وتعالى التى وصفت زورا وبهتانا تعمل من خلال الخليفة الحاكم؟
ومن بعد العهد الأموى ألم يضع الخليفة العباسى المنصور شعار الحكم القائل بأن الخليفة هو ظل الله على الأرض؟ قرونا قبل أن يتبنى ذلك الشعار ملوك أوروبا فى العصر الوسيط؟
أم أن السبب كان فى طبيعة وسلوك البداوة التى تضع السلطة فى يد رئيس القبيلة حتى تمنع الشقاق والصراع؟
كل ذلك حدث بالرغم من أن الحكم كان يدار باسم الدين وتحت ظلال القرآن الكريم الذى كانت رسالته للبشرية قائمة على التمجيد المذهل للحق والقسط والميزان والعدالة والتراحم.
هذه مقارنة تحتاج إلى تفسير وفهم، ليس لأنها ظاهرة ملفتة فى تاريخنا، بل لأننا نعيش تلك الظاهرة فى حاضرنا السياسى العربى، نعيشها بأقبح صورها، خصوصا بعد الفشل الأولى لحراكات وثورات ما كان مؤمًّلا أن يكون ربيع العرب السياسى، ذاك الربيع الذى كان سينهى ذلك الخلل التاريخى فى التوازن بين قوة المجتمع وسلطة الحكم فى حياة أمة العرب.
نظام روما الذى لا يمكن تسميته بالديموقراطى فى حينه تطور مع الوقت وقاد إلى ديمقراطية الغرب الحالية بالتناغم مع أنظمة أخرى بالطبع. أما نظام الخلافة الإسلامية القائم على سلطة هائلة فى يد الحكم وضعف شديد فى قوة المجتمع فإنه قادنا إلى ما نحن عليه من محن وإحن سياسية، وكان خير معين لدخولنا فى الجحيم الذى نعيشه. لقد سمح ذلك النظام لقوى الخارج ولبلادات الداخل أن تفعلا فى أمتنا مايهدّد وجودها.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top