ترامب وانتخابات الكونجرس المقبلة

13/08/2018 - 09:20:01 pm
$name_subcat
ترامب وانتخابات الكونجرس المقبلة

/


نشر فى :
الإثنين 13 أغسطس 2018 – 9:20 م
| آخر تحديث :
الإثنين 13 أغسطس 2018 – 9:20 م

رغم مرور نحو عام ونصف العام على تقلد ترامب لمنصب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه ما زال يثير من الحيرة وعلامات الاستفهام ما كان يثيره منذ اليوم الأول لإعلان ترشحه للرئاسة الأمريكية قبل نحو عامين أو أكثر. ولعل آخر مثال على ذلك، ما أعقب مواقفه وتصريحاته المثيرة والتى اعتبرها البعض سلوكا يرقى إلى مستوى الخيانة أثناء اجتماعه مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين فى هلسنكى الشهر الماضى، بعد أن أخذ ترامب بوجهة النظر الروسية حول الاتهامات الموجهة إليها بشأن تدخلها فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة والتى أتت به إلى الحكم. راهن الكثير من المراقبين والمعلقين على تراجع شعبيته وانقلاب مؤيديه عليه بسبب هذه المواقف والتصريحات خاصة وأن الانتقادات والاتهامات جاءت أيضا من بعض القيادات التقليدية للحزب الجمهورى، إلا أن ترامب ــ وعلى خلاف كل التوقعات ــ استطاع أن يحافظ على قاعدته الانتخابية. فقد أظهر استطلاع للرأى بعد القمة عن موافقة ٦٨٪ من أعضاء الحزب الجمهورى على أداء ترامب هذا. وهو الأمر الذى يكشف عن حالة من الانقسام الشديد داخل صفوف الحزب الجمهورى بين القاعدة الشعبية التى لا ترى غضاضة فى التقارب مع روسيا رغم كل ما قيل حول تدخلها فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وبين قيادات الحزب الجمهورى ونخبته التقليدية، وهى النخبة المعروف عنها عداؤها التقليدى لروسيا وحرصها على تحجيم انتشار أو مد النفوذ الروسى فى أى منطقة بالعالم، فما البال داخل الولايات المتحدة نفسها؟

هذا الانقسام داخل صفوف الحزب الجمهورى يكتسب أهمية متزايدة مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى فى شهر نوفمبر المقبل، (وهى الانتخابات التشريعية والتى تجرى كل عامين لانتخاب أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم ٤٣٥ عضوا وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، أى ٣٣ فقط من أعضائه الـ ١٠٠). هذا ومن المتبع تقليديا أن يخسر الحزب الحاكم هذه الانتخابات، والتى تأتى فى منتصف مدة ولاية الرئيس الموجود داخل البيت الأبيض. فإذا أضفنا لما سبق إعلان نحو ٤٠ نائبا من الحزب الجمهورى فى مجلس النواب الحالى عن نيتهم عدم الترشح فى الانتخابات المقبلة، فلنا أن نتصور حجم البلبلة والارتباك داخل صفوف الحزب إزاء هذه الانتخابات. كما جاء إعلان بول رايان ــ زعيم الأغلبية الجمهورية داخل مجلس النواب ــ عن نيته كذلك عن الانسحاب من الحياة السياسية وعدم ترشحه فى الانتخابات المقبلة ليتهمه البعض بالجبن والخيانة، وأنه كمن يقفز من السفينة قبل أن تغرق، وهو ما يعنى انسحاب العديد من الوجوه التقليدية للحزب لصالح شخصيات جديدة تؤيد ترامب فى أفكاره الشعبوية هذه وتوجهاته ضد النخبة التقليدية ليتم إعادة صياغة وتشكيل الحزب الجمهورى وبما يتوافق مع الواقع الانتخابى الجديد الذى أتى بترامب إلى سدة الحكم. يوضح ما سبق حجم التحولات والتفاعلات التى يمر بها الحزب الجمهورى حاليا، وما يشهده الحزب الجمهورى من عملية تغيير واسعة فى صفوفه وقياداته والتى بدأت مع ترشح ترامب للرئاسة وهو من خارج قياداته التقليدية، ثم فوزه رغما عنها وضد كل التوقعات.

على جانب آخر، أثار هذا الفوز الذى حققه ترامب العديد من الأسئلة والتحليلات حول ما إذا كان هذا التغيير قاصرا على صفوف الحزب الجمهورى وقاعدته الانتخابية فقط، أم يمثل تحولا أعمق داخل المجتمع الأمريكى. وبمعنى أكثر وضوحا، هل يمثل ترامب ظاهرة عارضة فى المجتمع الأمريكى؟ أم يعبر عن تحولات جذرية طرأت على المجتمع الأمريكى ولم تلاحظها نخبتها السياسية، ديمقراطية كانت أو جمهورية، ولم تلفت إليها. هذا المجتمع الذى بدأ يجنح نحو المزيد من الأفكار اليمينية الشعبوية، أو ما بات يسمى بـ«القومية الإقتصادية». وهى تلك الأفكار التى تقف على النقيض من الأفكار الأمريكية التقليدية مثل حرية التجارة وإدماج الأسواق المختلفة فى سوق عالمية واحدة، أو بتعبير آخر «العولمة»، والتى ارتبطت بالأخذ بالقيم والمبادئ الليبرالية المتعارف عليها من احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والدفاع عن الأقليات والمرأة والانفتاح على الثقافات والأديان الأخرى. هذه التغييرات أو التحولات لم تعد قاصرة على الولايات المتحدة وحدها، ولكنها باتت تشمل العديد من الدول الأخرى التى شهدت عمليات احتجاج وتمرد واسعة ضد النخب التقليدية الحاكمة كما ظهر فى نتائج الانتخابات الأخيرة فى كل من النمسا وإيطاليا، وقبل ذلك فى بريطانيا التى صوتت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبى فيما بات يعرف باسم البريكسيت.
من ناحية أخرى، نجد أن هذا التغيير الذى يحدث داخل المجتمع الأمريكى قد طال أيضا الحزب الديمقراطى، والذى يشهد بدوره أيضا انقساما شديدا بين قياداته التقليدية وبين جيل جديد صاعد عبر عنه منافس هيلارى كلينتون فى الانتخابات التمهيدية السابقة للحزب للترشح للمعركة الرئاسية بيرنى ساندرز. ويتهم أنصار ساندرز القيادات الحالية فى الحزب بأنها السبب فى فوز ترامب بعد أن تخلى الحزب عن مبادئه الليبرالية الأصلية وابتعد عن قاعدته الشعبية. ويذهب هؤلاء إلى ضرورة عودة الحزب للتعبير عن قاعدته الانتخابية التى فقدها. ويراهن هؤلاء على ما تثيره سياسات ترامب الشعبوية والتى لا تخلو من ملامح عنصرية صارخة ضد الأقليات من ذوى الأصول الإفريقية أو اللاتينية أو المرأة أو الديانات الأخرى وخاصة الإسلام والمسلمين من استنفار للقاعدة الشعبية للحزب والتى تقاعست عن التصويت فى الانتخابات السابقة. يضاف لما سبق، ما يعول عليه هؤلاء من تحول بعض الفئات أو الشرائح الاجتماعية التى صوتت لترامب فى الانتخابات الأخيرة وقيامها فى المقابل بالتصويت لصالح المرشحين الديمقراطيين بعد تضرر هؤلاء الناخبين من إلغاء قانون أوباما للتأمين الصحى. ويزيد من أمل وعزيمة هؤلاء الديمقراطيين استطلاعات الرأى الأخيرة التى تشكف عن وجود منافسة شديدة حول ٦٨ مقعدا جمهوريا حاليا فى نوفمبر المقبل، فى حين أن المطلوب هو انتزاع ٢٣ مقعدا فقط من هذه المقاعد حتى يفقد الحزب الجمهورى سيطرته على مجلس النواب. وعليه، يراهن الديمقراطيون على استنفار قاعدتهم الانتخابية وبعض مؤشرات الرأى العام، رغم ما شاب هذه الاستطلاعات من أخطاء وفشل فى التنبؤ فى الانتخابات السابقة.

إلا أن حالة الانقسام الشديدة التى يعانى منها الحزب كما شرحنا أعلاه، وتمسك بعض قياداته التقليدية مثل نانسى بلوسى، زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب، بمنصبها وعدم سماحها بضخ دماء جديدة فى قيادات الحزب، قد تحد بشكل كبير من المكاسب التى يمكن للحزب أن يجنيها. هذا الخلل فى بناء الحزب الديمقراطى يفتح المجال أمام ترامب وأنصاره لتحقيق مكاسب عدة، خاصة فى ظل ما يشهده الاقتصاد الأمريكى حاليا من نمو غير مسبوق وانخفاض لمعدلات البطالة إلى أدنى مستوى لها منذ سنوات طويلة. هذا فضلا عما تشهده البورصة أيضا من مكاسب رغم نذر الحرب التجارية القادمة مع العديد من الدول وعلى رأسها الصين.

وعليه، من الصعوبة التنبؤ بنتائج انتخابات الكونجرس القادمة، وما إذا كان الحزب الديمقراطى سيستطيع تجاوز خلافاته الداخلية واستثمار غضب بعض الفئات وخاصة من الأقليات الذين يمثلون نسبة كبيرة من المجتمع الأمريكى؟ أم ستكون للاعتبارات الاقتصادية الغلبة كما يراهن ترامب وأنصاره؟

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top