من عين أم محمود من عين أم محمود

من عين أم محمود

11/08/2018 - 11:00:02 pm
$name_subcat
من عين أم محمود

/


نشر فى :
السبت 11 أغسطس 2018 – 9:55 م
| آخر تحديث :
السبت 11 أغسطس 2018 – 9:55 م

اليوم لا يشبه غيره من الأيام، فقد رأت لأول مرة جدتها تحرق عروسة وتخزق عينيها لتحميها من الحسد. هجم الحر الشديد مع اشتعال النار في الورقة التي قطعت بعناية على شكل عروس أو على هيئة إنسان لا شعر له. توقف المشهد فجأة حين سمعت عصافير تزقزق بطريقة غير مألوفة. أخذت الجدة تضحك مثل طفل تكركره أمه وهي تستعرض وقائع الساعات الأخيرة وتردد أسماء الأشخاص الذين تشك في أنهم من أصابوا حفيدتها بالعين وجعلوها تقع على وجهها وتتأذى، بل وتفقد قرطها الجديد. تفقأ كل العيون التي تحتمل أن تكون شريرة وتدب فيها الإبرة وهي تذكر الأسماء: من عين فلانة وفلانة وفلانة وكل من رآك ولم يصل على النبي، ثم تحرق عروس الحسد الورقية وتشهق والنار تعلو في حوض المطبخ وهي تتلو المعوذات الثلاث.
***
انطبعت الصورة في ذاكرة الطفلة وعرفت بعدها بسنوات أن الطقس لم يكتمل تماما، فمن المفروض أنه مع احتراق العروس الكامل كان يجب أن تتناول الجدة قطعة شبَة وتدلك بها جبهة الطفلة، ثم تضعها في إناء على النار لكي تخطو فوقها الصغيرة سبع مرات. وبعد احتراق الشبَة كان يجب أن تخرجها من النار وتدوسها بقدمها، إذ يقال إن حجر الشب هو أفضل التعاويذ وأكثرها فاعلية لطرد العين الحاسدة، كما أن شكل العروس الذي ينحو إلى التجريد يظهر كرمز شعبي في العديد من الأحيان في قطع الفخار والمشغولات الذهبية والفضية وتطريز التلي الذي تتبوأ فيه العروس مكانة مميزة، فتارة نجد العروس مع عريسها في المسجد أو مع الصديقات في الفرح أو وهي تمسك يد أخيها في طريقها إلى المدرسة، وتتكرر “الموتيفة” الزخرفية كرمز للصبا والجمال والإخصاب.
العروس المطرزة على الشال التلي الذي صارت تحبه الصغيرة عندما كبرت بشكلها المبسط ربما تشبه عروس الحسد وإن اختلف الغرض، وربما تشبه أيضا بعض شخوص رسومات حامد ندا. جميعها تحمل روحا مصرية.
لا أحد يعرف بالضبط متى بدأت مثل هذه الطقوس الشعبية ومن وضع قواعد تلك العادات المتوارثة على وجه الدقة. يرجع البعض عادة عروس الحسد إلى طقوس السحر الأسود الإفريقية أو “الفودو” التي انتشرت حول العالم منذ القرون الوسطى وربما قبلها. و”الفودو” كلمة معناها “الروح”، إذ تستحضر الأرواح لإيذاء الأعداء، وذلك بصنع دمية من الخشب أو القماش أو ما شابه ذلك وتغرز فيها المسامير والدبابيس ويتم حرقها، لكي يلم التعب بالشخص المقصود، وهكذا يتحقق الثأر منه عن بعد كما باستخدام الريموت كنترول، خاصة وقد ضاقت الأرواح بالمصاعب التي تزداد يوما بعد الآخر.
***
يبحث الإنسان عن مخرج ويجده في الغيبيات والكائنات الإعجازية. يريحه أن ينتقم من الشر بأن يحرق عروسا أو يغرز فص ثوم في عين حاسد أو يتمتم في سره ببعض الكلمات. وقد أفادت بعض الأبحاث التي أجريت مؤخرا بأن الأشخاص الذين يمارسون تلك الطقوس القديمة ويعتقدون فيها- حتى وإن بدت غير منطقية أو منافية للعقل- يشعرون بارتياح وطمأنينة بشكل أو بآخر، فالموضوع نفسي قبل كل شيء، ولا يعتمد بالضرورة على قوة السحر أو فاعلية الطقس.
المرء في لحظات القهر والعجز عن تفسير المجهول أو ما ألم به من كرب لا يستطيع المواجهة ويفضل أحيانا أن يلجأ إلى تفسيرات غيبية، خاصة البسطاء الذين لا يتمتعون سوى بقدر ضئيل من الثقافة، فبدلا من أن يشعروا أن الحال ليس على ما يرام وأن الوضع يـتأزم يرجعون السبب إلى الشر والتآمر وسوء النية، وهذا أسهل من الغوص في الأسباب الحقيقية. تصبح عين أم محمود هي سبب النكبة، والطاقة السلبية التي تبثها هي التي تجعلنا نخرج من حفرة إلى ورطة. وتحترق العروس، ونشهق لنتحرر قليلا من الضغط العصبي مع كل نفس.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top