الانقلاب على يوليو (١)

05/08/2018 - 06:40:01 am
$name_subcat
الانقلاب على يوليو (١)

/


نشر فى :
الأحد 5 أغسطس 2018 – 8:20 ص
| آخر تحديث :
الأحد 5 أغسطس 2018 – 8:20 ص

لم أكن أرغب في العودة إلى الكتابة في هذا الموضوع أو عنه، لولا أن من القراء الكرام من تفضل فألح في أن أعود إليه، أو بالأحرى إلى ما سبق أن كتبته أو أشرت إليه؛ للتذكير أولا بأنه لم يبق من «يوليو» تلك (المحتفى بها، أو المختلف عليها) غير العطلة الرسمية، «والقميص المهترئ»، وللتنبيه ثانيا إلى خطورة السير في الطريق ذاته الذي أدى بأحلام يوليو ١٩٥٢ إلى انكسارات يونيو ١٩٦٧. 

ــــــــــــــــــــــ

ما بين إنكار كامل من البعض لإنجازاتها (وهي كثيرة)، وإنكار كامل أيضا من البعض الآخر لتجاوزاتها (وهي كبيرة)، ظلت ثورة ٢٣ يوليو التي مضى عليها ستة وستون عاما كاملة محل جدل وصخب أحسب أن السؤال الرئيس غاب عنه: 

ماذا بقى من يوليو؟ 

وهل يحق للذين يحاولون اليوم ارتداء قميصها (بحثا عن شرعية أو شعبية) أن يفعلوا ذلك؟

أرجو أن يأذن لي القارئ الكريم في أن تكون محاولة الإجابة عن هذا السؤال (الكبير) في مقالين، أعود فيهما إلى ما سبق أن كتبته من «رأي» في هذه الصفحة.. ثم إلى عدد من الكتب والدراسات المهمة في الموضوع، فضلا عن يوميات لبعض من اقتربوا بحكم مواقعهم من مراكز صنع القرار ورسم سياساته. وأحسب، ونحن نمر اليوم في تلك المرحلة الملتبسة من تاريخنا وتاريخ المنطقة أن في تلك الكتب، والدراسات، واليوميات ما يستحق أن نتذكره من وقائع.. وما يجب أن نتدبره من دروس. 

***

ربما يكون لافتا، أو صادما أن تصادف «الاحتفالات» بيوليو التي كان ضمن أهدافها الستة (قبل ستة وستين عاما): إقامة «عدالة اجتماعية»، أن نشهد على الصفحة «الرسمية» لجهة حكومية هذا الفتى السوهاجي الصغير «محفوظ حمدان» يمزق بحديثه العفوي البريء كل المانشتات البراقة عن «الاستثمار» والازدهار «والعدالة الاجتماعية». لم يكن الصغير يتحدث إلينا من داخل مدرسته (بعد ستة عقود من الحديث الجميل عن أن «التعليم المجاني» حق لكل مواطن) بل من حيث هاجر ليحاول، ولو بمخالفة القوانين «الوضعية» أن يسد حاجة أسرته من المأكل والملبس والدواء (الذي هو أيضا حق لكل مواطن).

قد يكون في كلام الصغير قليلٌ أو كثير من المبالغة، وقد يكون من ميسوري الحال، كما حرصت وسائل إعلام «رسمية أو شبه رسمية» أن تقول لنا في اليوم التالي، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الأرقام «الرسمية» للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقول أن ٢٧٪ من المصريين يعيشون تحت خط الفقر (الأرقام تضاعفت قطعا بعد الإجراءات الاقتصادية الأخيرة). وأن المدارس العامة المجانية (المحترمة) التي تعلمنا فيها، والتي كان كل المصريين يذهبون إليها في الستينيات من القرن الماضي لم تعد على حالها. وأن التعليم ذاته، لم يعد كما كان أيامها وسيلة «للحراك الاجتماعي» يحرص الناس عليها. 

ماذا إذن بقى من يوليو؟

ربما يكون لافتا أو صادما أن تصادف «الاحتفالات» بيوليو، اعتماد سياسات اقتصادية تهدم جذريا «العقد الاجتماعي» الذي كان حاكما (ولو نظريا) لنظامها السياسي. والذي أعطى واقعيا هذا النظام لعقود «شرعيته»، كنظام ينتظر منه الناس أن يلتزم بتوفير حاجاتهم من مأكل وملبس ودواء وغير ذلك من السلع والخدمات فضلا عن الوظائف «التي هي حق لكل مواطن»، مقابل احتكار (واقعي) للجماعة الحاكمة للسلطة والقرار. 

width=300لا أجادل هنا في مدى «الحتمية الاقتصادية» لمثل تلك القرارات. ولكن من غير المنطقي بالتأكيد أن تتصور أن بإمكانك أن تحكم سياسيا بطريقة «السوفيت» الستينية الشمولية، في حين تطبق اقتصاديا سياسات الصندوق «النيوليبرالية». إذ ليس لأى نظام حاكم أن يطلب من «المواطنين» أن يدفعوا مقابل ما يحصلون عليه من خدمات، دون أن يكون من حق دافعي الضرائب «المشاركة الحقيقية» في القرار وإدارة الموارد، ودون أن يكون لديهم نظام مفتوح يوفر لهم سبل «المحاسبة» الحقيقية ولا يكون ذلك إلا باعتماد الأسس اللازمة للدولة «الديموقراطية / المدنية» المعاصرة، من صحافة «مستقلة»، وحرية تعبير، ومجتمع مدني يتمتع بحريته الكاملة.

ماذا إذن بقى من يوليو؟ 

ربما يكون لافتا أو صادما أن تصادف «الاحتفالات» بيوليو التي ولدت في «الفالوجا / ١٩٤٨»، مرتبطة بالحقائق التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي، من يقول لنا إن «دولة الاحتلال» ليست هي العدو، غاضا الطرف عن المحاولات «الصهيونية» المفضوحة، لتكريس أمر واقع تتسيد فيه دولة الاحتلال العنصرية المنطقة؛ اقتصاديا، وسياسيا، وتحصل فيه بلا حرب على حرية الحركة في ممرات مائية «استراتيجية» مفتوحة. غافلا عن كل ما نعرفه من معايير ثابتة ومستقرة للأمن القومي. 

ماذا إذن بقى من يوليو؟

***

عندما كنا صغارا، كنا نقرأ على الغلاف الأخير لدفاترنا المدرسية أن أهداف ثورة يوليو ستة. (من بينها نصا: «إقامة حياة ديموقراطية سليمة») وعندما كنا طلابا في الجامعات، التي ربما لم نكن لنقترب من أبوابها، لولا هذه الثورة ــ علمتنا حلاوةُ الانتصارات، ومرارةُ التجربة تلو التجربة: أن كل ما أعطته لنا هذه الثورة (وهو كثير جدا، وكبير جدا) مهددٌ بالضياع ما لم نعمل على استكمال أهدافها المعلنة. بل إن هذا الهدف السادس تحديدا «إقامة حياة ديموقراطية سليمة» هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على كل ما تحقق من أهداف، وللوفاء لكل ما أُريق من دماء وعرق، إنْ في حروب لم تتوقف يوما مع العدو الصهيوني، أو في بناءٍ لصروح وقلاع صناعية وثقافية شهدتها مصر الستينيات.

أدرك الشباب (طلاب الجامعات) في ١٩٦٨ أن غياب الحريات «الكاشفة»، والاستسلام لتخدير الآلة الإعلامية الدعائية كان وراء ضياع الحلم سرابا في صحراء سيناء القاسية في تلك الأيام الحزينة من صيف ١٩٦٧، وأن الحياة الديموقراطية السليمة هي الضمان الوحيد للحفاظ على «جيش وطني قوي» كانت إقامته ضمن تلك الأهداف الستة.

وأدرك الشباب في ١٩٧٧، أن ديموقراطية زائفة لن تحول دون تغول «دولة الفرد الواحد»، وإن ارتدى العباءة واعتبر نفسه «كبير العائلة» في تجسيد فاضح لثقافة أبوية وقفت لقرون عائقا أمام تقدم هذه المنطقة من العالم. كما أدركوا حين خرجوا في «مظاهرات الخبز» أن غياب الحريات الحقيقية «الكاشفة دون خوف لما يجرى وراء السُتر»، كان كافيا لإنبات بذور دولة الفساد «الاقتصادي»، ولنشأة طبقة «الباشوات الجدد» ولتهديد واقعي «للعدالة الاجتماعية» التي كانت أيضا أحد أهداف الثورة الستة وأحد نجاحاتها الحقيقية. 

ثم كان أن أدرك الشباب الذين خرجوا في ٢٥ يناير ٢٠١١ مطالبين «بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية» أن «أوليجاركيا» الاستبداد والفساد والقمع قد أوشكت أن تنهي «واقعيا» كل ما جاءت به يوليو الواعدة تلك. «فالملكية الوراثية»، عادت أو أوشكت وإن تدثرت بعلم الجمهورية. «وسيطرة رأس المال على الحكم» تجاوزت مصاهرات السبعينيات، لتسفر عن وجهها بلا حياء في وزارات مبارك، وانتخابات ٢٠١٠. «والإقطاع» يعود آلافا من الفدادين يحتكرها / أو ينهبها هذا وذاك من المحظوظين القريبين من دوائر السلطة والنفوذ. «واحتكار» النفوذ، السياسي أو الاقتصادي صار مألوفا تتوارثه النخب الجديدة. «والعدالة الاجتماعية» باتت واقعيا أثرا بعد عين. بعد أن صار كلٌ بقدر ما يملك، لا بقدر ما يعمل أو يتعلم. 

واقعيا، لم يكن إجهاض يناير وأحلامها، غير استكمال لكل ما كان من علامات للانقلاب على كل ما جاءت به يوليو، أو قررت أهدافها الستة، وكنا قد شهدنا لعقود كيف امتد أثر الانقلاب لينخر في جذور ثقافة مساواة كانت قد بدأت في التكون. إذ لم يعد «كلنا سيد في ظل الجمهورية» كما كنا نقرأ على جدران مدارسنا الابتدائية في ذلك الزمان البعيد. بعد أن عادت الألقاب ذاتها (الباشا والبك) لا يمنحها ولي النعم هذه المرة، وإنما تمنحها تلقائيا علامات «الرتب» اللامعة على أكتاف البزات الرسمية.

•••

width=600

ككل حركات التحرر الوطني التى عرفها عالمنا العربي في منتصف القرن الماضي (من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر)، عرفت يوليو «الخالصة النقية» طفيليات المزيفين المتسلقين المتزلفين إليها، الذين يعملون واقعيا (وإن تحت شعارات ولافتات جديدة) على إعادة أسس النظام التي كانت قد جاءت أصلا لهدمه وإسقاطه، وشهدنا كيف استثمر هؤلاء (هنا وهناك) غياب الحريات والديموقراطية «الحقيقية» في إعادة إنتاج الباشوات والبكوات والنخب الضيقة الحاكمة، وإن على أسس جديدة، (ببزات عسكرية أو حزبية) بديلة عن «الاسموكنج» والياقات البيضاء. وكانت روح يوليو الشعبية الحقيقية دائما تقاوم. هل تذكرون مظاهرات الطلبة فى ١٩٦٨ وفى السبعينيات؟ وهل تذكرون بيان ٣٠ مارس وأغنيات الشيخ إمام؟ (شيء من ذلك بالمناسبة جرى في كل قطر عربي مر بالتجربة ذاتها).

عرفت يوليو ــ وأساء إليها ــ أولئك المتسلقين الملتصقين بكل سلطة، أعيان الثلاثينيات والأربعينيات الذين تناسخوا (أو أنتجوا أشباههم، وإن اختلفت أحيانا الأسماء والألقاب) في تنظيمات السلطة كلها من الاتحاد القومى فالاشتراكي. وحتى الحزب الوطني، والذين يتصارعون الآن على وراثته. بل والذين يحاولون معهم في السلطة إعادة انتاجه. أولئك الذين نجحوا في «الانقلاب على يناير»، بعد أن كانوا واقعيا قد انقلبوا على يوليو، أو بالأحرى على أهدافها بعد أن نجحوا في إفراغها تدريجيا من مضمونها. 

•••

يعرف جيلنا ــ الذي تمسك بأحلام يوليو ووقف إلى جانب عبدالناصر بعد هزيمة ١٩٦٧، لا يضع أمامه هدفا غير «إزالة آثار العدوان» ــ أن أكبر خطايا يوليو (بغض النظر عن سياقات وظروف مفهومة) هي خطيئة الترويج «للحاكم الفرد» وعدم إرساء دعائم ديموقراطية حقيقية، ودولة مؤسسات قوية يحكم فيها الشعب نفسه بنفسه بواسطة حكام مدنيين لا يكونون أسرى لثقافة البيعة، ولا السمع والطاعة، ولا التراتبية العسكرية. يعرف جيلنا ذلك، ويعرفه مثقفوه وفنانوه (اقرأوا نجيب محفوظ وأحمد مطر وشاهدوا يوسف شاهين) بل لا أظنني مبالغا لو قلت إن عبدالناصر نفسه عرف ذلك حيا عندما وصلته أنباء ما جرى في سيناء (اقرأوا هيكل، وراجعوا خطاب التنحي وبيان ٣٠ مارس ١٩٦٨) وعرفه ميتا عندما انقلب عليه أسلافه؛ انفتاحا منفلتا «وقططا سمانا» وصلحا غير عادل. فلم يجد في صفوف الجماهير «الغائبة» من يدافع عن ثورته وقراراته وعدالته الاجتماعية وحرصه على استقلال وطني كامل وحلمه في وحدة عربية. 

أدرك جيلنا مبكرا أن ثورته تتآكل، وأنه لن يترك لأبنائه من أهدافها غير الذكريات والاحتفالات.. والعطلة الرسمية. 

من يعرف من جيل يوليو ذلك رأى في جيل يناير امتدادا طبيعيا لأحلامه المجهضة. وأملا واعدا في إنقاذ مبادئ ثورته التي كانت قد نالت من نضارة حيويتها تجاعيد الزمان والمؤامرات «والتجربة والخطأ».

جاءت يوليو لتنقذ مصر من التبعية والاستعمار، ولتنقذ المصريين من العبودية والإذلال. ولتجيء لمصر بالاستقلال وللمصريين بالكرامة..

ثم كان أن جاءت يناير (قبل أن يجهضها المجهِضون) لتحاول إنقاذ يوليو من أولئك الذين كانوا لسنوات قد تنكروا، واقعيا لمبادئها في المساواة والعدالة الاجتماعية وإقامة حياة ديموقراطية سليمة.

•••

وبعد..

فقد نتفق أو نختلف مع سياسات الرئيس الراحل أنور السادات، أو مع ما قد اعتبره البعض فى حينها أولى خطوات الانقلاب على يوليو. ولكننا قطعا نذكر له حديثه الشهير عن أولئك الذين يلبسون قميص عبدالناصر، فى محاولة بائسة لاستثمار شعبيته. ويبدو بعد ستة وستين عاما أنه لم يعد لدينا من يوليو غير «القميص» وغير أولئك الذين يحاولون (إعلاميا) استثمار شعبيته. 

أما، كيف خسرت يوليو، أو بالأحرى كيف خسرنا نحن أهدافها النبيلة؟ فذلك ما سنحاول استكماله الأحد القادم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة

«الشرعية» البديل.. حديث سياسي في الاقتصاد

 

أسئلة الاقتصاد.. ودولة «الصوت الواحد». 

 

سؤال «الشرعية» الغائب .. ما بين السياسة والاقتصاد

 

٢٣ يوليو.. هوامش على حكاية «مريم»

 

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top