الجمعية الشرعية والأقباط فى مصر

04/08/2018 - 08:00:02 pm
$name_subcat
الجمعية الشرعية والأقباط فى مصر

/


نشر فى :
السبت 4 أغسطس 2018 – 9:45 م
| آخر تحديث :
السبت 4 أغسطس 2018 – 9:45 م

بدأتُ فى العام 2008 البحث الميدانى لرسالتى للدكتوراه حول موضوع المؤسسات الدينية الإسلامية، واخترت العمل على الأزهر الشريف كمؤسسة دينية رسمية، وعلى الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنّة كنموذج لمنظمة إسلامية أهلية.
جاء اختيارى للجمعية الشرعية كونها أقدم الجمعيات الأهلية المصرية وأكثرها انتشارًا. فقد أسّسها الشيخ محمود محمد خطاب السبكى فى العام 1912 بهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام ومحاربة البدع والخرافات. واعتمدت الجمعية الشرعية منذ نشأتها طريق الدعوة من خلال القول والفعل. وتستند دعوة الجمعية الشرعية القولية إلى معاهد إعداد الدعاة والقراءات، بالإضافة إلى الندوات والخطب والدروس الدينية، فيما تنطوى دعوتها العملية على مشاريعها الخيرية والتنموية المختلفة. وقد اتسع نشاط الجمعية الشرعية وتطوّر منذ إنشائها، حتى صار لها الآن 1138 فرعًا فى جميع أنحاء الجمهورية.
لكن، على الرغم من نشاطها الخيرى الواسع وقرارها بالابتعاد عن العمل السياسى، فإن مجرّد طرح اسم الجمعية الشرعية كموضوع لبحثى أثار قدرًا من القلق فى أوساط عائلتى وأصدقائى من المسيحيين، إذ اعتبرها معظمهم جمعيةً دينية محافظة ومغلقة على نفسها يُفضَّل على المسيحيين تجنّبها. بدورها، نظرت قيادات الجمعية بريبة إلى الباحثين مشكّكةً فى نواياهم، وفضّلت الاحتفاظ بمسافة بعيدة بينها وبين المسيحيين بسبب طابعها المحافظ. أما أنا وقد جمعت الحسنيين، فقد بدت مهمتى مستحيلة وأنا أحاول إجراء مقابلاتى البحثية. وبينما بدأ اليأس يدبّ فى نفسى وشرعت فى البحث عن مؤسسة أخرى لدراستها، التقيت بالصديق والأستاذ الراحل حسام تمام، أحد أنبل وأنبغ الباحثين المصريين رحمة الله عليه، الذى أبدى حماسة لموضوع دراستى وأجرى اتصالا بصديق له، مشدًدا أن «جورج ده أخويا». فعاد الصديق واتصل بى مؤكّدا لى أنه رتب لى موعدًا يجمعنى مع أحد قيادات الجمعية الشرعية، لكنه لم يخبره باسمى (وبالتالى ديانتى)، ونصحنى بألّا أفصح عن ديانتى إلّا فور وصولى إلى مكتبه، فحينئذ سيضطر للحديث معى. وهكذا كان. وبالفعل، بعد ثوانٍ معدودة من الصدمة والمفاجأة، كلّمنى الرجل بكل لطف عن الجمعية وأهدافها وأعطانى مجموعة من أعداد مجلة «التبيان» التى تصدرها الجمعية، وساعدنى كذلك فى التواصل مع كوكبة أخرى من أعضاء الجمعية. وقد ولا تزال تجمعنى صداقة مع بعضٍ منهم حتى تاريخ كتابة هذه السطور، خاصة فى صفوف الشباب الذين بدوا أنهم يشاركوننى الرغبة فى التواصل مع الآخر ومعرفته.
***
بعد سنوات انكببتُ خلالها على دراسة الجمعية الشرعية عبر إجراء مقابلات مع عدد من أعضائها ومتابعة إصداراتها المختلفة، بدا جليًّا أن الجمعية الشرعية لا تحمل أى موقف سلبى تجاه المسيحيين، بل على العكس، إن كل مشاريعها الخيرية تفتح أبوابها للمسيحيين والمسلمين على حدٍّ سواء. لكنها آثرت عدم الدخول فى أى حوار أو تفاعل مع المؤسسات الدينية المسيحية، بما فى ذلك تلك التى تقوم بمشاريع خيرية مشابهة لها، وقد يكون من المنطقى أن يتعاونا سويًّا. ويعود هذا الأمر فى جزء منه إلى طبيعة الجمعية الشرعية المحافظة دينيًّا، إذ إنها ترى أن جمهورها يتألّف من المسلمين الذين تسعى الجمعية من خلال أنشطتها المختلفة إلى تذكيرهم بقيم دينهم ومواجهة الأفكار الدينية الخاطئة. إضافةً إلى ذلك، وضع نظام مبارك قيودًا على الجمعية الشرعية والجمعيات الدينية الأخرى، وحدّد حركتها داخل المجتمع. فآثرت الجمعية الشرعية خلال عهد مبارك تجنب أى تحركات حتى لو من باب التعريف بنفسها وبنشاطها، على الرغم من عملها الخيرى واسع النطاق، حتى لا تتسبب زيادة أنشطتها فى أى مشكلات مع النظام الحاكم الذى كان ينظر بعين الريبة إلى أى جهة دينية تزيد درجة تأثيرها داخل المجتمع، أو قد تسعى إلى التواصل مع منظمات دينية أخرى.
استمرت الجمعية الشرعية فى تقديم مساعداتها إلى المسيحيين المحتاجين، إلا أنها لم تسعَ إلى التواصل مع عموم الأقباط للتعريف بنفسها وبأنشطتها المختلفة. ومن جانبهم أيضًا، لم يسعَ المسيحيون أو مؤسساتهم الدينية إلى الاقتراب من الجمعية الشرعية لمعرفة طبيعة نشاطها وأفكارها، بل اكتفوا بتصوّراتهم المسبقة عنها.
أنهيت رسالة الدكتوراه وتوقفت عن متابعة أخبار الجمعية الشرعية منذ سنوات، حتى وجدت هذا الخبر بالمصادفة على موقع الجمعية الشرعية: «بحضور الأمين العام ونائبه.. الجمعية الشرعية تقدم 193 ألف جنيه و193 كرتونة مواد تموينية للأقباط المهجّرين من سيناء». ورافقت الخبر صورة تضم قيادات من الجمعية الشرعية مع رجل دين مسيحى.
أسعدنى الخبر والصورة التى رافقته، ورأيت فيهما تطورًا كبيرًا عن الجمعية الشرعية التى عرفتها منذ سنوات. فبينما أدارت الجمعية الشرعية علاقاتها بالأقباط فى السابق على أساس أن أبواب مشاريعها مفتوحة للمسلمين والمسيحيين من دون تمييز لكن أيضًا من دون تفاعل مع الآخر، قرّرت اليوم أن تخطو خطوة إلى الأمام وتذهب هى للمسيحيين لتقديم المساعدات إلى المهجّرين من شمال سيناء، وذلك من خلال التنسيق مع مؤسستهم الدينية.
***
تكمن أهمية مبادرة الجمعية الشرعية أيضًا فى توقيتها. فاختيار تنظيم داعش استهداف المسيحيين المصريين خلال السنوات الأخيرة لم يكن خيارًا عقائديًا بل سياسيًا يهدف من دون شك إلى إثارة التوتر الطائفى بين المسيحيين والمسلمين كما فعل التنظيم سابقًا فى العراق، من خلال تأجيج المشاعر الطائفية بين الشيعة والسنة. فاستهداف المسيحيين يسمح بصعود الأصوات القبطية الأكثر تشدّدًا التى تتّهم العقيدة الإسلامية بالعنف، لتردّ عليها الأصوات المسلمة المحافظة، فتبدأ حلقة مُفرغة من تراشق الاتهامات وتزيد من أجواء الاحتقان الطائفى بين المسلمين والمسيحيين. أما مبادرة الجمعية الشرعية فتسمح بوقف حلقة الطائفية تلك، وبتجاوز مشاعر الخوف التى تنتاب الأقباط فى هذه اللحظة بالذات من كونهم يقفون وحدهم فى مواجهة عنف داعش. تساهم الجمعية الشرعية إذًا، من خلال خطوتها تلك فى التغلّب على تلك المخاوف وبناء جسور مع الآخر لإخماد أى توتر طائفى ما بين الجانبين.
من معرفتى السابقة بالجمعية الشرعية، لا أعتقد أن تلك الخطوة جاءت من دون مقاومة بعض الأصوات المحافظة داخلها. فشكرًا لمن أخذ زمام المبادرة، على أمل أن تكون هذه بداية لتفاعل جدّى بين المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، يتجاوز الاجتماعات الرسمية ليشمل أيضًا التنسيق على مستوى العمل الأهلى.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top