«حى الدهشة».. رواية فى حب الرواية! «حى الدهشة».. رواية فى حب الرواية!

«حى الدهشة».. رواية فى حب الرواية!

03/08/2018 - 01:00:04 am
$name_subcat
«حى الدهشة».. رواية فى حب الرواية!

/


نشر فى :
الخميس 2 أغسطس 2018 – 9:10 م
| آخر تحديث :
الخميس 2 أغسطس 2018 – 9:10 م

يتدفق السرد سلسًا وبسيطًا، كل جزء يحمل عنوان رواية عربية أو أجنبية، يحضر المكان قويًا بكل تفاصيله، أحد أحياء حلب الشعبية، حى الهلك، لا نخرج منه إلا لمزرعة نائية، أو إلى بيروت أو لندن، لكن الحى يمتلك ناصية الحكاية، تحضر الشخوص بكل نبض الحياة الواقعية، وبكل تقلبات العواطف، وكأنك أمام مسلسل مشوق مكتوب!
عندما نقترب من النهاية نكتشف اللعبة السردية الماكرة، نعرف السارد، فندرك أننا أمام تحية ذكية لفن الرواية، ونعلم أنه الفن الذى يتحدى الحرب والموت والعدم والزمن، لأنه الحكاية والبشر أحياء على الورق.
مها حسن، الكاتبة السورية المقيمة فى باريس، تبنى من جديد فى روايتها «حى الدهشة» الصادرة عن دار سرد ودار ممدوح عدوان، معالم زمن لم يعد موجودًا، ساردة الحكاية تأخذ معها حلب إلى لندن، مثلما أخذت مها حسن حلب إلى باريس فى روايتها «مترو حلب»، الساردة كانت تحلم دومًا بأن تكون روائية، فكتبت حكاية أسرتها وحيّها وناسها والمرأة التى غيّرت حياتها، ولم تنسَ أن تقدم التحية لفن الرواية، فاستحضرت أسماء الروايات فى العناوين، تذكرنا التحية عموما بتحية سابقة من مها حسن لفن السرد فى رواية «الروايات».
لكن «حى الدهشة» كنصّ يتجاوز فكرة التحية إلى الغوص بالعمق فى شخصياته الرجالية أو النسائية، وإلى تحليل العواطف الإنسانية المتقلبة، وإلى اكتشاف الفوارق الطبقية، بل إن حكاية عمل طبيبة أمراض النساء هند، القادمة من أسرة ثرية، فى حى الهلك الشعبى، تكتسب حيويتها الكبيرة بهذا التنوع المدهش للشخصيات، وبهذا التحليل البارع للعلاقات بين الرجال والنساء، من دون الوقوع فى فخ التنميط أو «الكليشيهات».
ليست كل النساء طيبات، ولا كل الرجال، شخصيات مثل مديحة أو سعاد أو مجيدة تفتقد حكمة الجدة درية أو وعى هند أو طموح درية الحفيدة، وشخصيات مثل شريف وممدوح وإدريس وعبدالغنى تفتقد التوازن، وتسبب الفوضى والمأساة، إنهم يخذلون النساء خذلانًا مبينًا، بينما توجد شخصيات ذكورية مختلفة مثل حامد، رفيق طفولة هند، وإبراهيم، سائق عائلتها، وحسين، الذى جعل من نفسه سيفا مدافعًا عن النساء، رغم تعقد شخصيته، واضطرابها النفسى.
ذكاء المعالجة فى ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: اختبار العواطف الإنسانية فى أضعف مكان، وهو الحى الفقير، ومن خلال أضعف حلقات السلسلة فى المجتمع الشرقى، وهى النساء، وفى أكثر لحظاتهن شغفًا، وهى لحظة التحقق الأدبى أو العلمى أو التحقق بالأمومة، وفى أكثر اللحظات الفاصلة فى عمر حلب وسوريا، وهى السنوات القليلة السابقة على الحرب، ومن خلال أكثر العلاقات حساسية، وهى العلاقة بين الرجل والمرأة، ورغم صعوبة التحدى، تنجح مها حسن من خلف قناع درية الساردة، فى أن تقول الكثير عن حال المرأة، وحال المجتمع، قبل وبعد الحرب.
يتجاوز السرد قيود وجهة النظر الذاتية والموضوعية، فيظهر السرد الذاتى عند اللزوم، بل نكتشف أن ما نعتقد طوال الوقت أنه سرد موضوعى يديره «الراوى العليم»، لم يكن سوى الرواية التى كتبتها دريّة، ليست لعبة مجانية، وإنما حرية تماثل حرية استلهام عناوين الروايات الشهيرة فى النص، وتعادل طوفان الحنين إلى المكان والبشر، وتتسع لاستيعاب أفكار أخرى لامعة حول العقاب على النوايا، والانتقام من قتلة المشاعر والأحاسيس، والاحتفال بالمشيمة العاطفية، التى تصل بين شخصيات لا يمكن أن تتخيل أبدًا أن يتواصلوا أو يتبادلوا التعاطف.
تريد المرأة من الرجل حبًا وقلبًا وأمانًا وطفلًا، ويريد الرجل أن يمتلك المرأة امتلاكًا، ويبحث الواقع عمن يكتبه فيمنحه الوجود والخلود، لا توجد مثل الرواية لتكون سلامًا فى وقت الحرب، وشاهدًا لا يموت على اللحظة والبشر والأماكن، أما الدهشة فمصدرها الطبيعة الإنسانية المعقدة، لعلها دهشة لا تعيش فى حى بعينه، إذ توجد حيث يوجد الناس، وكأنها تعلّق على تناقضاتهم، التى برعت مها حسن فى تعريتها، فى روايتها البارعة.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top