يوسف صديق الذى لا تعرفه يوسف صديق الذى لا تعرفه

يوسف صديق الذى لا تعرفه

29/07/2018 - 10:00:02 pm
$name_subcat
يوسف صديق الذى لا تعرفه

/


نشر فى :
الأحد 29 يوليو 2018 – 10:00 م
| آخر تحديث :
الأحد 29 يوليو 2018 – 10:00 م

إنصاف أدوار الرجال فى التاريخ مسألة ضرورية لسلامة الذاكرة العامة وحفظ الحقيقة أمام الأجيال الجديدة.
لكل دور إطاره وسياقه، فلا أدوار معلقة فى الهواء.
وقد كان دور العقيد «يوسف صديق» حاسما فى نجاح ثورة (٢٣) يوليو (١٩٥٢)، فهو الذى اقتحم بقواته مقر القيادة العامة فى كوبرى القبة، واعتقل كل من فيه من قيادات قبل أية ضربة إجهاضية للتحرك العسكرى.
من مصادفات التاريخ أنه استبق موعد التحرك بنحو الساعة لأسباب تضاربت رواياتها.
بأى قياس طبيعى كان ذلك خطأ جسيما يفضى بالضرورة إلى فشل الحركة، غير أنه كان سببا حاسما فى نجاحها.
كان القصر الملكى قد تسربت إليه معلومات عن انقلاب يوشك أن يبدأ، وهرعت الرتب العسكرية العليا إلى مقر القيادة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات تحبط أى تحرك وتقبض على المنضوين فيه.
بالنظر إلى ذلك الدور الحاسم ضم «يوسف صديق» إلى مجلس قيادة الثورة ولم يكن عضوا فى الهيئة التأسيسية لـ«الضباط الأحرار».
ومن مفارقات التاريخ أن «يوسف صديق» الذى اقتحم مقر القيادة ذهب إلى ظل النسيان بلا إنصاف يستحقه، فيما صعد رجل آخر هو «أنور السادات» ارتاد تلك الليلة مع السيدة حرمه إحدى دور السينما واحتفظ معه بتذكرتى الدخول حتى يثبت إذا ما فشل التحرك العسكرى أنه لم يكن طرفًا فيه.
مثل تلك المفارقات تحدث كثيرًا فى الثورات والتحولات الكبرى.
إنصاف «يوسف صديق» بمنح اسمه «قلادة النيل»، أرفع درجة تكريم مصرية، أمر مستحق تأخر طويلا.
لم يكن «الضباط الأحرار» من قماشة سياسية واحدة.
تباينت مشاربهم الفكرية والسياسية، وكان ذلك التباين موضوع صدام مؤجل.
هناك من لم تكن له علاقة بأى حزب أو تنظيم، لا تعرف عنه أى انتماءات فكرية أو تنظيمية باستثناء التوجه الوطنى العام والغضب على مستويات الأداء السياسى والعسكرى وفساد النخب الحاكمة.
وهناك من تأثروا بجماعة «الإخوان المسلمين»، مروا عليها أو التحقوا بها قبل أن يغادروها جميعا باشتراط مؤسس التنظيم «جمال عبدالناصر» ألا يكون هناك ولاء مزدوج.
وهناك من انتمى إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى اليسارية «حدتو»، بينهم «أحمد حمروش» و«لطفى واكد» قادمان من «مصر الفتاة»، و«أحمد قدرى» مسئول طباعة منشورات «الضباط الأحرار»، و«آمال المرصفى» أصغر «الضباط الأحرار» قادما من «أسكرا»، وهو تنظيم ماركسى أقرب إلى الصفوة المثقفة، و«أحمد فؤاد» رئيس مجلس إدارة بنك مصر فيما بعد، وعلى رأسهم «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» قادمان من «الإخوان المسلمين».
عند النظر فى أسماء قيادات وكوادر «حدتو»، قد يخيل إليك أنك أمام تجمع ثقافى متسع وفريد لا أمام تنظيم سياسى سرى.
بينهم: «يوسف إدريس» أمير القصة العربية القصيرة بلا منازع، و«فؤاد حداد» أهم شاعر عامية مصرى، و«صلاح جاهين» الشاعر ورسام الكاريكاتير الأكثر شعبية، و«زهدى» و«عبدالسميع» من أبرز رسامى الكاريكاتير ومؤسسى مدرسته المصرية، و«عبدالرحمن الشرقاوى» الروائى والمسرحى، والصحافى بالغ التأثير فى الحركة الثقافية العامة، و«صلاح حافظ» أحد أبرز الصحافيين المصريين فى القرن العشرين ورئيس تحرير «روزاليوسف»، خلال حقبة «السادات» العاصفة، و«عبدالرحمن الخميسى» الأديب والشاعر والصحافى، الذى ارتبط بظاهرة «الصعاليك العظام»، التى أسبغت على الحياة الثقافية المصرية جمالها الخاص، و«إنجى أفلاطون» و«تحية حليم» و«جاذبية سرى» و«جمال السجينى» و«جمال كامل» و«سمير رافع» و«حسن فؤاد» أبرز الفنانين التشكيليين المصريين بلا جدال، فضلا عن الناقدة والأديبة الدكتورة «لطيفة الزيات».
إنهم نصف القوة الضاربة فى الثقافة المصرية منذ خمسينيات القرن الماضى إلى تسعينياته.
بدواعى الانتماء كان طبيعيا أن يتوافق موقفا «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» مع ما تتبناه «حدتو».
كان إعدام العاملين «خميس» و«البقرى» يوم (١٣) أغسطس (١٩٥٢) إثر احتجاجات لحقتها اضطرابات فى مصانع «كفر الدوار»، حكما جائرا وافق على تنفيذه مجلس قيادة الثورة، فيما اعترض ثلاثة عليه والتحديد هنا ضرورى: «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» و«جمال عبدالناصر».
وكانت أزمة مارس، التى افترقت عندها الطرق، صراعا حول أى طريق تذهب إليه «يوليو«: إعادة إنتاج مقومات النظام الملكى دون الملك أم تغيير طبيعة النظام كله وتقويض أسسه السياسية والاجتماعية والاستراتيجية؟
كانت «يوليو» تبحث عن طريق لم تستبين ملامحه.
فى أزمة مارس «حدتو» طلبت المشاركة فى القرار، وجماعة «الإخوان المسلمين» طلبت الاستيلاء على القرار نفسه.
هكذا حدث الصدام.
بتداعيات الأزمة خرج «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» من مجلس قيادة الثورة.
فيما خرج «خالد» مبعدا إلى سويسرا تعرض «يوسف» لمحن إنسانية إبعادا واعتقالا ووضعا قيد الإقامة الجبرية بعد أن استقال فى سبتمبر (١٩٥٤) .
بأية مراجعة لمسارات أغلب نخبة «حدتو» بعد صدام «أزمة مارس»، فإنها تسامت عن مرارة السجن، وارتبطت بدرجات مختلفة بتجربة «يوليو» ودافعت عنها بعد غروبها.
تفككت بنية التنظيم لكن قوته الثقافية بقيت.
أثناء محنة «يوسف صديق» الإنسانية هجا قائد «يوليو» بأقسى الأوصاف:
«لبست المسوخ وضللتنا
ولما حكمت كشفت الفتون».
عندما بدأ العدوان الثلاثى على مصر عام (١٩٥٦) التأمت الجراح بين رفاق افترقوا، وبدا القتال بشرف معنى الحياة نفسها.
هرع إلى ارتداء ملابسه العسكرية للتطوع فى الحرب وقرر «عبدالناصر» رفع الإقامة الجبرية عنه، ووضع تحت إمرته ضباطا ومعلمين عسكريين وسلاحا روسيا حديثا لتدريب المتطوعين.
«الله أكبر يا جمال جمعتنا
والعهد دون الحق أن نستشهدا»
فى لحظة الخطر ذاب جليد وتبدت معادن رجال.
عند رحيل «عبدالناصر» كتب أجمل وآخر قصائده قبل أن يرحل بدوره عام (١٩٧٥):
«أبا الثوار هل سامحت دمعى
يفيض وصوت نعيك ملء سمعى؟
وكنا قد تعاهدنا قديما
على ترك الدموع لذات روع».
«بكتك عيون أهل الأرض حولى
فكيف أصون بين الناس دمعى؟».
تكاد صورة «يوسف صديق» أن تقارب فى ظروف وأزمان مختلفة صورة «محمود سامى البارودى» رئيس حكومة الثورة العرابية المجهضة، الذى نفى ووصف بـ«رب السيف والقلم».
كلاهما ضابط وطنى شارك فى ثورة حقيقية، وشاعر حالم بعالم جديد.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top