تغيير بطعم البوظة تغيير بطعم البوظة

تغيير بطعم البوظة

28/07/2018 - 10:40:01 pm
$name_subcat
تغيير بطعم البوظة

/


نشر فى :
السبت 28 يوليو 2018 – 9:05 م
| آخر تحديث :
السبت 28 يوليو 2018 – 9:05 م

الأرجل المسنة المتعبة تنتقل ببطء وصعوبة. نادل المطعم المغلف بالصمت، وكل من يعملون معه، تظهر عليهم علامات السنين بوضوح، وإن بقيت ملامحهم وهيئاتهم مطبوعة فى الذاكرة، لا تبارحها رغم أننى لم أرهم من وقت طويل. تتحول بعض الأماكن عند زيارتها إلى مساحة للتأمل والذكرى، تنبه كل إنسان إلى النهاية التى تنتظره وإلى أن الزمن يمر بسرعة، مثلما فيلم سينما يكبر فيه الأبطال فجأة أمام عينيك. تخشن المفاصل ويبيض الشعر ويتغير لون ابتسامة السيدة التى كانت ولم تزل تستقبلك عند باب المطعم ببعض كلمات الترحاب الفرنسية والعربية، وأمامها ثلاجة عرض الحلوى والمخبوزات فى الخلفية.
***
ترتبط بعض المطاعم والأطباق لدى كل منا بعالم الطفولة والصبا وذكريات الإجازة والسفر والأصدقاء أو العائلة، فتقودنا أقدامنا إلى هذا المكان أو ذاك لنتفقد الواقع وغالبا ما نتحسر، ففى مصر لم يبق شيء على حاله، وغالبا ما تجتاحنا مشاعر الرجوع إلى مدينة بعد غياب التى تشبه وحشة هجران الحبيب. قطيعة عاطفية تملؤنا بالحنين ونجتر معها الذكريات، فكل قضمة من أكلة معينة ترتبط بحيز جغرافى، بمدينة ذهبنا إليها أو اعتدنا قضاء إجازة الصيف فيها: فطير رأس البر، وورقة اللحم المسواه فى فرن بلدى، وصينية سمك «المياس« الطازج بالإسكندرية، وبائع الفول والفلافل الضخم الذى يكيل محتوى كل ساندوتش بمعيار دقيق فلا يخطئ وكأن يده ميزان، وصاحب محال الكفتة والأيس كريم السورى عند الخروج من السينما الصيفى القاهرية،… جميعهم كانوا على درجة عالية من المهنية والأمانة صرنا نفتقدها بشدة بعد أن تقاعدوا أو ماتوا واختفت آثارهم ومنتجاتهم التى كانت تضفى على حياتنا شيئا من السعادة والخصوصية. وإذا أردنا أن نتعرف على روح مكان بحق فمن خلال نماذج كهؤلاء الذين غادرونا ولم يجود الزمان بمثلهم، وهو وضع يثير الشجون، لكنه يدل على حالة البلد ككل، ما يذهب يكون غالبا ما يخلفه أقل كفاءة وأقل مهنية وأقل كذا وكذا وكذا، فنقضى وقتنا فى الحديث عن مصر التى كانت، حتى لو لم تتجاوز أعمارنا الخمسين، فالتقهقر سريع.
***
كل شيء متهالك فى هذه المدينة أو تلك، لم يحظ بالاهتمام المطلوب وبالتالى يبدو كأنه يصارع الزمن أو على شفا الموت، ينطبق ذلك على المبانى والجدران والأكل والبشر. يمكننا أن نلاحظه فى المطاعم والأسواق التى تجعلنا نشعر بمذاق المدينة والقرية، بمزاجها الشخصى الذى ينقلنا من العام إلى الخاص، من التاريخ الفردى إلى التاريخ فى المطلق. يتحول مجرد طبق فى مطعم إلى شهادة تعارف، إلى معيار جودة ودرجة رقى ومؤشر على تغير طبيعة مجتمع، من كوزموبوليتانى متعدد ومفتوح على الآخر إلى محافظ ومنغلق أو إلى متأرجح ومسخ دون هوية تضربه العولمة فى مقتل.
***
ذاكرة المدينة المرتبطة بفنون الطبخ والأكل والشرب تفضح تطورها. تفعل فينا ما فعله بطل رواية الكاتب التركى أورهان باموق عندما رصد فى كتابه «غرابة فى عقلي« ما ورد على استانبول من تغيرات فى الأربعين سنة الأخيرة من خلال حكاية مولود، بائع البوظة المتجول (نوع من لبن الزبادى المثلج الذى يحتوى على نسبة قليلة من الكحول) الذى أتى من قريته إلى العاصمة فى العام التاسع والستين. مجرد وصف الأوانى التى كان يضع فيها البوظة تسمح بملاحظة تغير ما، دون الكثير من التنظير والتقعير، هو تغير قريب على القلب شعرنا جميعا بمذاقه. وهنا تصبح وصفة طعام دليل قاطع وملموس على روح عصر.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top