قضايا أمريكانية

27/07/2018 - 10:20:01 pm
$name_subcat
قضايا أمريكانية

/


نشر فى :
الجمعة 27 يوليو 2018 – 9:40 م
| آخر تحديث :
الجمعة 27 يوليو 2018 – 9:40 م

عادة أقوم بزيارة للولايات المتحدة من وقت لآخر لأسباب متعددة، وبالطبع أستطيع القول إن المجتمع الأمريكى مجتمع رأسمالى حر ديمقراطى متدين فى معظمه ومتنوع، ولا توجد دولة أخرى فى العالم تحتوى على تنوع فى اللون والخلفية والثقافة كأمريكا. وقد نجحت السياسة الأمريكية منذ ولادتها كدولة من أكثر من خمسمائة عام بما أسمته «بوتقة الانصهار» ويعنون بذلك (الأمركة) وهى تعنى أن كل شخص أو تابع لجنسية معينة بلغة معينة يهاجر إلى أمريكا عليه أن ينصهر فى البوتقة الأمريكية لكنه لا يتنازل عن جنسيته الأصلية بل يكتسب هوية جديدة تتكون من الثقافة والحضارة الأمريكية واللغة والتى تجمعه بباقى الجنسيات فى هوية واحدة (الهوية الأمريكية). فيتكون شعب واحد على الرغم من الاختلافات العرقية والحضارية والثقافية والدينية حيث ينصهر الجميع فى إطار الحضارة الأمريكية ولقد صار أمر الانصهار صعبا فى السنين الأخيرة، فبدأوا يتحدثون عن «طبق السلطة» وهذا التعبير يختلف عن بوتقة الانصهار فالبوتقة تعنى التخلى عن الهوية الأصلية فى سبيل الاندماج فى الحضارة الأمريكية لكن طبق السلطة يعنى الاحتفاظ بالهوية الأصلية مع التعاون الفعال للاحتفاظ بنكهة وطعم الحضارة الأمريكية. وبالطبع صورة أمريكا فى العالم تختلف من دولة إلى أخرى طبقا للموقف الأمريكى من هذه البلدان والعلاقات التى تربط بينهم، لذلك عادة فى كل مرة أسافر إلى أمريكا أنظر وأحلل الداخل الأمريكى وليس السياسة الخارجية والعلاقات الدولية فهناك قضايا بعيدة عن أذهاننا مثل المثلية الجنسية، وليس ذلك لأنها غير موجودة لدينا، لكن لأننا لا نناقشها بصوت عال. فمساحة الحرية فى بلادنا لا تسمح بذلك بادعاء أنها تجرح الشعور العام وإنها ملعونة فى كل دين وأنا هنا لن أتعرض للقضية كقضية ومدى أهمية مناقشتها وخطورتها ونسبة المثليين عندنا فى البلاد العربية… إلخ، لكن أود أن أطرح عليك ــ عزيزى القارئ ــ قضية قانونية تابعتها أثناء وجودى وتتلخص فى أن شابين مثليين قررا أن يتزوجا، وهذا متاح فى بعض الولايات وليست كلها، فهناك ولايات يطلق عليها الحزام المقدس ترفض تماما حتى مجرد الحديث فى هذا الأمر وهى ولايات الجنوب الأمريكى وجزء من الغرب وبها أعلى معدلات الحضور فى الكنائس وهى نورث كارولينا ولويزيانا وأوكلاهوما وميسيسبى وألاباما وكنساس… إلخ. لكننا نجد إن إعلام العالم الثالث تصور أمريكا ككل كمركز الفساد والانحراف والشذوذ فى العالم.
المهم ذهب الشابان إلى محل حلويات يصنع تورتات الأفراح ويزينها. طلب الشابان من صاحب المحل أن يكتب كلمات تعبر عن عشقهما وارتباطهما وأن يُحضر التورتة إلى مكان الاحتفال ويشارك بتقطيعها وتوزيعها، لكن الرجل أجابهما أنه مستعد لعمل التورتة لكنه لن يكتب عليها ما يريدانه ولن يذهب للحفل لأن ذلك ضد مبادئه الدينية وهنا غضب الشابان ورفعا قضية ضد الرجل معتمدين فيها على أن رخصة المحل التى أخذها من الولاية تنص على التزامه بالصنع والتزيين وحضور العرس وتقطيع التورتة… إلخ. ترافع محامى الشابين بأن أمريكا بلد الحريات والمساواة بين جميع المواطنين وأن المثليين أقلية وأن ما فعله صاحب المحل هو اضطهاد ضد أقلية وتمييز وأن الترخيص الذى حصل عليه هذا الرجل ينص على أن واجب الحاصل على الترخيص أن يحقق على أرض الواقع نص الترخيص وفى حالة امتناعه يتم سحب الرخصة. وهكذا حكم قاضى الدرجة الأولى بالإنذار بسحب الرخصة وأن يقوم صاحب المحل بتعويض الشابين عن الخسارة الأدبية التى مُنيا بها وإحساسهما بأنهما ضمن أقلية مضطهدة. استأنف صاحب المحل حكم الدرجة الأولى ودفع محاميه بأن الرخصة التى قدمتها الولاية لصاحب المحل ليقوم بنشاطه تنص على أن يقوم صاحب المحل بكل متطلبات الحفلات لكن ما طلباه يتعدى متطلبات الحفل إلى قناعته الفكرية. إنهما استغلا رخصة المحل ويعرفان توجهه لكى يضربا المنظومة الفكرية اللاهوتية (الفقهية) التى يتبناها وهما برفعهما القضية هذه يريدان رفع حماية القانون والدستور عن اختيارات الإنسان الضميرية وهو حق كفله الدستور والقانون لكل شخص يعيش على الأراضى الأمريكية وأطلق عليها (حرية الضمير الإنسانى) وعندما يذكران أنه اضطهدهما لأنهما ضمن أقلية مضطهدة فهذا نوع من الابتزاز. وهكذا برأت المحكمة صاحب المحل فى محكمة الدرجة الثانية.
***
لقد انتبه المجتمع الأمريكى والأوروبى أخيرا إلى لعبة يقوم بها المثليون أو الأقليات على وجه العموم بأنهم فى البداية يطلبون الحرية والمساواة التى من حقهم فى بلد ديمقراطى حر حيث يُعتبر هذا المطلب من الأولويات القصوى فى البلدان الحرة وبعد أن يحصلوا على المساواة هنا يقولون بما أن الدولة أقرت لنا بالمساواة إذن عليها أن تعطينا كل حقوق الأسوياء والأكثرية… إلخ. وعندما يردد الجمهور وما هو العيب فى ذلك؟ يبدأ المثليون بتبنى أطفال ويطالبون بتغيير تعريف الأسرة فى المناهج الدراسية فبدلا من التعريف المعروف أن الأسرة تتكون من رجل وامرأة وأطفال يأتى التعريف بأن الأسرة تتكون من شخصين وأطفال ويضغطون لكى يدخلوا أطفال المثليين المتبنين إلى المدارس. بعد ذلك طالبوا الكنائس بأن تعين رجال دين من المثليين بل طلبوا أن يتم زواج المثليين فى الكنائس، بالطبع هذه الأمور يتم المطالبة بها بقوة فى عهد الرؤساء الديمقراطيين أمثال أوباما وكلينتون لأنهم يؤيدون الأقليات لكن عندما يتولى الجمهوريون الحكم مثل ترامب وريجان الأمر يختلف. بالطبع هذه الأمور يرفضها المجتمع بصورة قاطعة إلا أن الحرية والديمقراطية تعطيهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم.
***
قضية أخرى ليست بعيدة عن الأولى عندما أصدر ترامب قراره بحرمان رعايا 6 دول من دخول أمريكا هى بورما وكوت دى فوار وكوبا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا قام عدد ضخم من المحامين برفع قضايا ضده لأن هذا ضد حقوق الإنسان والدستور والقوانين التى تنص على أن أمريكا تقبل المهاجرين من كل الأجناس، والحقيقة أن هذا القرار بحرمان الست دول أصدرها أوباما لكنها لم تُفَعل فى عهده لأن أوباما لم يكن يميل إلى مثل ذلك المنع حيث كان لديه 17 مستشارا من السود والمسلمين ضمن فريق يتكون من 22 مستشارا وقد حدث جدل ضخم فى عهد ترامب بشأن القانون إلا أن المحكمة العليا أو «السوبريم كورت» حكمت لصالح ترامب وأقرت الأمر. والسؤال ترى ما السبب الذى يجعل أوباما ومن بعده ترامب يقرون مثل هذا القانون؟ ما فهمته أن الأمر لا يتعلق بالإسلام لأن هناك دولا إسلامية لم تدرج وهناك دولا غير إسلامية أُدرجت. السبب الحقيقى ببساطه أن أمريكا قامت ببناء اقتصادها على الأيدى العاملة الرخيصة أى الأيدى العاملة المهاجرة وعلى الأمريكان السود لأن أجورهم أقل من أجور البيض، فى السنين الأخيرة بدأ الأمريكان السود يتمردون ليتساووا مع الأمريكان البيض فى أجورهم ورفضوا القيام بأعمالهم إلا بعد مساواتهم مع البيض من هنا لجأ الحزب الديمقراطى أيام أوباما بتشجيع الأسبان واللاتينيين وغيرهم للهجرة لأمريكا ولأن إجراءات الهجرة تأخذ سنوات شجع أوباما وهيلارى المهاجرين أن يتوافدوا على الحدود الأمريكية مع المكسيك ويعيشوا فى خيام طالبين الهجرة وكانت الدولة تتساهل معهم لأنهم يُعتبرون التهديد الحقيقى للعمال السود الأمريكان المتمردين لأن المهاجرين يأخذون أجورا تقل كثيرا عنهم وكانت النتيجة أن بدأ السود الأمريكيين يتنازلون عن مطالبهم أو جزءا منها على الأقل حتى يتجنبوا تهديد المهاجرين الجدد لهم فى أعمالهم وعندما حدث ذلك ولوقف تدفق اللاجئين أصدر ترامب قراره بحرمان مواطنى الست دول من الهجرة ورفض إدخال العائلات المعتصمة على حدود المكسيك. لكنه أدخل الأطفال دون والديهم فثارت الدنيا على ترامب كيف يفصل بين الأطفال ووالديهم وصُور ترامب كسفاح قاسى القلب. والحقيقة الكوميدية أن طلبات المهاجرين لم تكن أبدا إعادة الأطفال إلى أهاليهم كما صور ذلك معظم محللى العالم الثالث والذين يرفضون ترامب لكن كان طلبهم هو اللحاق بهم. وهكذا ــ عزيزى القارئ ــ نسمع نحن فى بلادنا ووسائل إعلامنا عن قسوة ترامب الجمهورى الأصولى الأبيض المتعصب وعن فصله بين الأطفال ووالديهم وعنصريته وفى حرمان بلاد هذا عددها من الهجرة إلى أمريكا ونسمع أيضا عن سيطرة الشواذ دون أن نعرف الخلفيات الحقيقية للأحداث لذلك يتفنن من يصوغون الأخبار أن يكتبوها أو يذيعوها بطريقة ترضى ميولنا وتديننا وسياستنا ودفء علاقاتنا بأولادنا ونشكر الله ونحمد فضله لأننا لسنا مثل الأمريكان الفاسدين أخلاقيا والملحدين والمنحلين والذين لا قلب لهم يضطهدون الأقليات عندهم والمهاجرين. فنقَبل أيدينا من الناحيتين (وش وضهر) على النعمة التى نحن فيها مقيمون ومستمتعو

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top