طعم الكلام روايات طارق الطيب.. نظرة أعمق للشرق والغرب!

27/07/2018 - 02:40:02 pm
$name_subcat
طعم الكلام روايات طارق الطيب.. نظرة أعمق للشرق والغرب!

/


نشر فى :
الجمعة 27 يوليو 2018 – 3:45 م
| آخر تحديث :
الجمعة 27 يوليو 2018 – 3:45 م

إذا كانت هناك كلمتان يمكن أن نصف بهما عالم طارق الطيب الروائى؛ فهما الثراء والعمق، مصدر الثراء تجربة إنسانية واضحة اختزنها، سواء فى مصر (التى ولد وتعلم فيها نصف حياته)، أو فى النمسا (التى استكمل فيها دراسته وعاش فيها نصف حياته أيضًا)، أو فى السودان (حيث جذور الأب الذى ينتمى إلى كوستى).
أما العمق، فمصدره فى رأيى أن رواياته لا تقيّم شخصياتها بحسب ألوانهم أو مناطقهم (جنوبًا أو شمالًا)، ولكنها تعيد قراءتهم من منظور إنسانى أشمل، ورغم حضور الهويات والذكريات والعادات والتقاليد والأماكن والأجواء، إلا أننا نرى صورة العلاقة بين الشرق والغرب من زاوية واسعة، وكأن الجميع فى معركة أوسع فى سبيل التحقق والوجود، وضد الجهل والعنصرية.
أربع روايات يتطور فيها مشروع الطيب فى اتجاه النضج: لغة رصينة رائقة، ولكنها فنية تستوعب العامية أحيانًا، المدن حاضرة والبشر أيضًا، لا ينسى الطيب أنه حكاء، ولا ينسى فى الوقت نفسه الأفكار التى يريد أن تحملها حكاياته.
فى «مدن بلا نخيل» تهزنا من الأعماق رحلة خروج بطلها «حمزة» من قريته السودانية ودّ النار، التى يفترسها الجفاف، باحثًا عن الرزق فى أم درمان ثم القاهرة وبورسعيد، تاركًا أمًا وأختين. رغم صغر حجم الرواية، فإنها ترسم ببراعة معالم حياة تتداعى، ومجتمع يندثر، الموت حاضر، والحياة أيضًا.
وفى «بيت النخيل» نستكمل تغريبة «حمزة»، كيف وصل وعاش فى فيينا؟ النخيل البائد فى ودّ النار، يُبعث فى قلب فيينا، فى بيت النخيل الزجاجى للنباتات الاستوائية، الحاضر ملموس، ولكن الماضى لا يموت، ومعاناة الأمس كمواطن على الهامش فى الجنوب، تتقاطع مع معاناة الحاضر كمهاجر مهمش فى الشمال، ويبقى الحب ضوءًا فى نهاية النفق، لا تنميط ولا كليشيهات، وإنما حياة رسمت بكل ألوانها وعواطفها، بل إن حمزة يصبح معادلًا لشهرزاد فى سرده المدهش المتداخل.
فى رواية «الرحلة 797 المتجهة إلى فيينا»، ورواية «وأطوف عاريا»، خطوات أبعد فى قراءة المشهد، ما زلنا أمام أبطال عرب فى النمسا، ما زالوا مشدودين إلى ماضيهم، وما زالوا يحاولون تفكيك قيودهم الداخلية، ولكن الرحلة تؤدى إلى تفكيك الأفكار القديمة والسائدة، ومواجهتها بجرأة أكثر.
فى الرواية الأولى تكتشف ليلى معنى حريتها، وأهمية اختيارها، ويكتشف آدم معنى الحب، يتفقان على دستور جديد يتجاوز الطقس، وينفذ إلى الجوهر، لا تقول الرواية إنهما انتصرا للأبد، فالاختيار لم يختبر بعد فى مصر، فى مواجهة الأسرة والعائلة، ولكن قصة الحب الهائلة فى الرواية، تنتقد وضع الأنثى البائس فى المجتمعات الشرقية، بنفس القدر الذى تسخر فيه من علاقات آدم الجسدية العابرة، فالعلاقة الناضجة جسد وعاطفة معًا.
أما فى «وأطوف عاريًا»، التى ينقصها إحكام الروايات السابقة، من حيث البناء والشخصيات، فإن فعل التعرى لا يعنى فقط وقوف بطل الرواية كموديل فى أكاديمية الفنون التى لم يُقبل دارسًا بها، ولكنه يمتد إلى تأمل فكرة الجسد، كمصدر للإبداع الفنى، أو حتى كبقية من أحلام مهاجرين بائسين، وجدوهم على شواطئ إيطاليا، الجسد فى هذه الرواية ملهم ومفزع.
ما يجعل من روايات طارق الطيب الأربع علامات مهمة، أنها تنطلق من الاختلاف لتصل إلى التلاقى والتقاطع، العدو فى هذه الروايات ليس فقط جهل الشيخ فى القرية، ولكنه أيضًا جهل بعض الأوربيين بالآخر، يلغى الطيب بصنعة فن الحدود الخارجية، والقيود الداخلية، تتصل الأحلام هنا وهناك، نكتشف سودانيا قديما عاشقا لفنانة نمساوية، وتستدعى نخلة يتيمة فى فيينا كل نخيل ودّ النار البائد..
تكتسب الحجارة والبخور والعطور والفانوس المنسى معانى هائلة فى المهجر، وتذكّرنا القطة حكيمة بقطط القرية المندثرة، تعيد البيئة الجديدة تشكيل الوعى، وتأمل العادات والأفكار البالية، تحمل الطائرات الأجساد، تلقى بها على الشواطئ وفى المدن الباردة، ولكن الأرواح تظل هناك، الأرواح لا تستطيع أبدًا ركوب الطائرات.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top