جمال عبدالناصر.. ضد جمال عبدالناصر جمال عبدالناصر.. ضد جمال عبدالناصر

جمال عبدالناصر.. ضد جمال عبدالناصر

27/07/2018 - 01:00:02 am
$name_subcat
جمال عبدالناصر.. ضد جمال عبدالناصر

/


نشر فى :
الخميس 26 يوليو 2018 – 9:40 م
| آخر تحديث :
الخميس 26 يوليو 2018 – 9:40 م

حين كتبت فى الأسبوع الماضى مثبتا فشل تجربة الحكم الوطنى فى المنطقة العربية بعد زوال الحقبة العثمانية ثم الاستعمارية، فإن هذا الرأى، لم يقتصر على حكم الضباط الوطنيين، الذى أسس له نظام يوليو 1952، وإنما سرى أيضا على الحقبة المدنية السابقة عليه، وما كانت الإشارة فى عنوان ذلك المقال إلى مرور 66 عامًا على يوليو 1952 إلا لمناسبة حلول ذكراه، ولأن نظام ضباط يوليو هو الذى دشن حقبة الحكم العسكرى الوطنى فى المنطقة العربية كلها، ولم يكن ما سبقه على الطريق نفسه فى العراق، ثم سوريا سوى انقلابات صغيرة ومؤقتة.
رغم ذلك، فإن جميع الردود أو التعليقات والانتقادات تركزت على تجربة جمال عبدالناصر، وهذه شهادة حاسمة على الأهمية الفريدة «ليوليو» ولجمال عبدالناصر سلبًا وإيجابًا، كما أنها شهادة على أن فريقًا من الناصريين لا يختلفون عن غرمائهم من الإخوان المسلمين «فيحسبون كل صيحة عليهم»، ولا يرون إلا رجلهم، وكأنه الإمام الشهيد!! لكنى أجدها فرصة لمحاولة تقديم رؤية منصفة قدر الإمكان للرجل وتجربته، وهى بالطبع رؤية لا تلزم سوى صاحبها.
نقطة البداية هى رفض الحملات المنظمة ضد جمال عبدالناصر لحساب جهات أو مفاهيم تخرج عن نطاق المشروع الوطنى المصرى، الذى هو بناء دولة عصرية، ومن هنا تخرج من هذه الرؤية الأحكام الجزئية المتسرعة بأن مصر الملكية أو المدنية كانت الجنة بعينها، أو أنها كان يمكن أن تصبح الجنة بالتطور الطبيعى المتدرج، لأن البلاد شهدت «أزمة حكم» عنيفة، فلم تكن الحكومات قادرة على الحكم، ولا المعارضة قادرة على الوصول إلى الحكم، وهو ما تلخصه عبارة ملك و4 وزارات فى 6 أشهر!!، وعريضة المعارضة.
كل ذلك بالإضافة إلى الفوارق الطبقية الحادة والجامدة، والتى دفعت تشرشل، وروزفلت (الرأسماليين) إلى نصح الملك فاروق فى لقائهما به قرب نهاية الحرب العالمية الثانية بتدارك هذا الوضع الشائن والخطير.
اتصالا بالنقطة السابقة يخرج عن رؤيتنا هذه الرفض المطلق لعبدالناصر لأسباب وطموحات، طبقية، الموروث منها، والمستجد.
كذلك يجب إهمال الحملات التى مولتها، ولا تزال تمولها العائلات الملكية العربية ضد ناصر وتجربته، لأسباب معروفة للجميع.
وبالطبع، وهذا هو الأدهى والأمر، فكما نعلم فإن فريقا من مروجى التقدمية البلهاء، والمشغولين بعروشهم وكراسييهم اكتشفوا بأثر رجعى «فضائل إسرائيل والصهيونية»، ومن ثم فإن ناصر ورؤيته للصهيونية، وللقضية الفلسطينية يمثلان ذكرى نقيضة موجعة، برغم هزيمة 1967.
بعد ذلك كله، لا ننسى رؤية الإخوان المسلمين، وأشياعهم لجمال عبدالناصر، وهى رؤية لاتختلف عن «ثارات عبس وذبيان» فى الجاهلية.
بعد استبعاد هذه الجهات والمفاهيم من التقويم المنصف لدور وتجربة جمال عبدالناصر، يتبقى محاكمة الرجل وحقبته، وفقا لمنطق ومقتضيات المشروع الوطنى المصرى فقط لا غير، وأسارع هنا إلى تحفظ مهم، إذ ربما يفهم البعض أن التركيز على هذا المشروع، يؤدى تلقائيا إلى عدم تبنى القضية الفلسطينية، ومواجهة الصهيونية، أو عدم مساندة حركات التحرر الوطنى، لأن مساندة الشعوب المقهورة واجب أخلاقى والتزام سياسى، تكرر فى تاريخ البشرية كلها، فضلا عن أن تصحيح الموازين فى مواجهة إسرائيل هو مسألة أمن قومى مصرى، قبل وبعد عبدالناصر.
ندخل الآن فى صلب موضوعنا، فلا ننكر إنجازات جمال عبدالناصر الوطنية والتنموية، والاجتماعية الهائلة والجذرية فى مصر، وامتداد إلهامها إلى المنطقة كلها، بل وإلى كثير من مناطق العالم الثالث بتعبيرات ذلك الزمان، وهى أكثر من أن يتم حصرها بكل آثارها هنا، وبالطبع لا نهتم بالجدل العقيم حول إجلاء الاحتلال البريطانى وجدوى تأميم قناة السويس، وكسر احتكار السلاح، وتقرير المصير فى السودان، وغيرها.. لأنها كانت فى وقتها من المستحيلات، ولأنها هى التى أنهت الحقبة الاستعمارية الطبقية فى مصر، وفى كثير من البلدان العربية.. وغيرها.
لكن عبدالناصر الذى أنجز هذا كله فى خمسينيات القرن الماضى، دخل إلى العقد التالى، أى عقد الستينيات لتتوالى عليه وعلى مصر النكسات والهزائم، بداية من انفصال سوريا الذى جسدت الوحدة معها واحدة من الأخطاء الكبرى، وهو دمج المشروع الوطنى المصرى فى المشروع القومى العربى بكل تناقضاته، وصراعات أطرافه الأخرى، ولم يكن هذا الانفصال سببا فقط فى الانزلاق إلى حرب اليمن، ولكن ثمنه الأفدح دفع هنا فى مصر، فلم يستخلص عبدالناصر من درس الانفصال سوى أن الأغنياء والرأسمالية المتوسطة تستطيع تمويل انقلاب عسكرى ضده هنا فى مصر، بالتعاون مع «الرجعية العربية والامبريالية»، ومن هنا جاءت حركة التأميمات فى الستينيات، ليس لأسباب تنموية، كما قيل، وإنما للقضاء على هذه الشريحة، أى أصبح التأميم ثأريا وأمنيا ومسيسا، فحرم الاقتصاد المصرى من طاقات وموارد وخبرات كبيرة وبالغة النفع، واتسعت هوة الصراع الداخلى، بإضافة هؤلاء إلى أعداء يوليو من الاقطاعيين القدامى، مما أدى إلى عسكرة الحكم تماما، وتضخم الأهمية الوظيفية لدور عبدالحكيم عامر الصديق الصدوق والموثوق على رأس القوات المسلحة لتأمين النظام، وتأمين عبدالناصر شخصيا، وصولا إلى استبداد عامر بالمؤسسة العسكرية، بما أدى فى النهاية إلى كارثة 1967، وهنا لابد من التذكير بأن ناصر أضاف إلى الدرس السورى، درسا لا يقل تعاسة من انقلاب بومدين على بن بيلا، ومن الاطاحة بنكروما وسوكارنو، وغيرهم بانقلابات عسكرية فى تلك السنوات، فكان وجود عبدالحكيم عامر ورجاله المهزومين «عسكريا» عام 1956، وسياسيا وأمنيا فى سوريا هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام.. ولكرسى عبدالناصر، وخلاصة هذه النقطة أن الضابط المنقلب جمال عبدالناصر كان يعمل ضد جمال عبدالناصر الزعيم صاحب المشروع الوطنى الطموح تنمويا واجتماعيا ووطنيا، وصاحب الشعبية الجارفة.
كذلك كان من مقتضيات تأمين النظام ــ كما سبق القول ــ تأميم المشروعات الاقتصادية المتوسطة والصغيرة، وتعقيم أو إخصاء المجتمع من التنظيمات المستقلة، ليس فقط السياسية، ولكن أيضا النقابية والتعاونية، بل والخيرية وصولا إلى جمعية الرفق بالحيوان، مثلما أشرنا ــ ذات مرة ــ تندرًا على حساسية نظام يوليو المفرطة ضد المجتمع المدنى، وهو ما أوصلنا إلى ما يوصف ــ بحق أحيانا، وبغرض غير برىء غالبا ــ «بغياب البديل».
كل ذلك وغيره كان مدمرا لمشروع يوليو، الذى كتبت هزيمة 1967 نهايته الفاجعة، على الرغم من حرب الاستنزاف، وانتصار أكتوبر 1973، إذ لا تزال آثار هذه الهزيمة ممتدة معنا مصريا وعربيا، بأكثر مما توقعنا فى أسوأ كوابيسنا، حتى وإن كان خليفة أو خلفاء عبدالناصر ساهموا فى مضاعفتها، كما سنرى توا، وكما سنشرح مسئوليته ومسئولية نظامه عن إنتاج هؤلاء الخلفاء، ولكن تجدر الإشارة قبل مغادرة هذه النقطة إلى قول ناصر نفسه للأستاذ هيكل قبل خطاب التنحى الشهير «إن من حق الناس أن يشنقونا فى ميدان التحرير»، وقول نائبه زكريا محيى الدين فى سياق تبرير استقالته عام 1968 للرئيس شخصيا: «إن كل شىء قد انتهى»، فليس بعد هذين الاعترافين قول لقائل.
نأتى إلى النقطة الأكثر جدارة بالحوار الجاد دائما، والتى تتمثل فى سؤال: هل حقا أن نظام يوليو انتهى بوفاة جمال عبدالناصر، وانقلاب نائبه وخليفته أنور السادات على كل سياساته وتوجهاته الوطنية والتنموية، والاجتماعية، واطراد هذا الانقلاب حتى يومنا هذا؟
وإجابتى هى أن ذلك الرأى غير صحيح، فقد تكون الثورة انتهت بوفاة الرجل، ولكن نظامها بقى، وازداد رسوخا، وتتمثل مسئولية عبدالناصر عما بعده فى حصر مصدر القوة والقيادة السياسية، فى المؤسسة العسكرية، التى أصبحت هى الـ Constituency أو الدائرة الانتخابية الحقيقية للرؤساء، مع عدم تحديد مدة أو مدد بقاء الرئيس فى المنصب، وفردية القرار، وتعبئة النظام والمجتمع حول شخص الرئيس، وضرب التنظيمات الاجتماعية والسياسية الوسطى، وعم خضوع النظام كله من أكبر رأس وحتى أصغر مسئول إلى أى نوع من المساءلة المؤسسية، إلا من داخله، وعلى أسس ذاتية وأمنية فى الغالب، وصولا إلى حلول ارادة الرئيس محل ارادة الشعب كمصدر للسلطات، لتشمل اختيار وزراءه ومحافظيه ونواب برلمانه، ورؤساء بنوكه، وشركاته العامة، ورؤساء جامعاته، وعمداء كلياته، ورؤساء تحرير صحفه، ورؤساء النقابات العمالية والمهنية والغرف التجارية والصناعية، وتجاوز القوانين، وتسييس القضاء، والاعتقالات والتعذيب إلى آخر تطبيقات الشمولية الديكتاتورية.
كانت هذه الأسس والأدوات هى ما استحدثه جمال عبدالناصر، وما استخدمه، وما أورثه للسادات الذى استخدمها للقضاء على مشروع عبدالناصر التحررى وطنيا، والتقدمى اجتماعيا، والتنموى اقتصاديا.
وكانت هى أيضا ما أورثه السادات لمبارك، وما فشلت فى إنهائه ثورة يناير، فى انتظارة استدارة الزمان كهيئته، يوم اكتشفت البشرية فضائل دولة الدستور والقانون والمواطنة، والفصل والتوازن بين السلطات.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top