أحجار غير كريمة

26/07/2018 - 08:00:03 pm
$name_subcat
أحجار غير كريمة

/


نشر فى :
الخميس 26 يوليو 2018 – 9:45 م
| آخر تحديث :
الخميس 26 يوليو 2018 – 9:45 م

في سوق القيمة لا تتحدد جدوى الأشياء بأثمانها الفعلية بالضرورة، لكنها كثيرا ما تتحدد وفق تقديرنا الخاص وتقييمنا الشخصي لتلك الجدوى، نُعَظّم بعض الأشياء حتى لنكتفي بها عما سواها، ونزهد في أشياء أخرى ونعزف عنها وإن كانت نفيسة. ذكرياتنا تدخل في التقييم، ذائقتنا تدخل في التقييم، فطرتنا.. تربيتنا.. ثقافتنا كلها تدخل في التقييم، وحكاية المقال مما يُحكَى في هذا المقام.
***
مضت المراهقة الصغيرة في جمع الأحجار كعادتها، أنشبت أصابعها الرفيعة في التراب بحثا عن حجر مختلف عن مجموعة الأحجار التي تحتفظ بها ولو أن هذا الأمر قد يبدو صعبا بعض الشيء، ففي داخل علبة كبيرة من الخشب جمعت الفتاة أحجارا مختلفة ألوانها، هذا حجر رمادي وذاك أحمر وثالث بني ورابع أسود وخامس وسادس…إلخ، وأخيرا وجدت حجرا يشبه القلب في تكوينه فالتقطته وقد أحست بالرضا. جمعت الفتاة أحجارها على مدار شهور طويلة، جمعتها من كل مكان ارتادته وكل أرض وطأتها: من حديقة النادي، من فناء المدرسة، من شاطئ البحر، وأحيانا من الطريق العام. يتغير مزاج الأطفال من عام إلى عام ويملون ما كانوا به قد تعلقوا ويسلونه، إلا أن هواية جمع الأحجار هذه لازمت فتاة قصتنا فبدأت معها في عامها السادس واستمرت.

***
تدخلت الأم في البداية لتقنع صغيرتها ألا شيء عبقريا في التقاط مجموعة من الأحجار المتاحة لكل أحد فهي ليست أحجارا كريمة، ولم تكن الصغيرة تفهم حينها معني الأحجار الكريمة، ولا كانت تستوعب كيف يمكن أن تكون الأحجار كريمة فهي تعرف أن الكرم صفة تميز البشر وحدهم. شرحت الأم الموضوع لصغيرتها باقتضاب قائلة: الأحجار الكريمة هي الأحجار الثمينة ..أي الأحجار الغالية تماما مثل حجر الفيروز الذي يتدلى من هذا السوار. نظرت الصغيرة لسوار الأم ولم تقتنع فأحجارها أيضا ثمينة، هي تراها كذلك. لكن عندما كبرت قليلا بدأت تفهم ما كانت تقصده أمها، فهمت لكنها ظلت تطارد الأحجار غير الكريمة في الأماكن التي اعتادت عليها. ثم كبرت أكثر فبدأَت تبحث عن الكتب التي تتحدث عن أنواع الأحجار وتحكي تاريخ كل نوع منها، عَرِفَت أن هذا الحجر الأبيض المثقوب يقال له حجر القمر moon rock ، وأن هذا الحجر البني من آثار زمجرة الطبيعة وبراكينها lava rock ، وأن هذا الشكل البرتقالي عبارة عن حفرية من الحفريات القديمة . fossils توقفَت الأم عن مناقشة ابنتها في هوايتها فهي هواية غريبة لكنها غير ضارة، وفي بعض الأحيان كانت الأم تراها هواية مريحة وذلك حين كانت تنهمك في عمل أو مكالمة أو تخلد للراحة وهي تعلم أن وحيدتها تغلق علي نفسها باب الحجرة، تعطي كل حجر من أحجارها غير الكريمة شخصية حقيقية من الشخصيات المحيطة بها، هذا الحجر الكبير بعض الشيء هو لمدرب التنس، وهذا الحجر الأملس هو لمدرسة البيانو، وهذا الحجر المدبب هو للجار الذي لا يحييها حين يراها كأنها نملة تسير بجواره. تسمع الأم صوت ابنتها تعاتب وتزهو وتسأل وتضحك وتقول للكبار الذين يملأون حياتها كلاما بعضه مكرر وبعضه يسمعونه منها لأول مرة . هل كان هذا السلوك يقلق الأم ؟ كانت هذه مرحلة وانتهت، فالابنة لا تتحلى بشخصية اجتماعية بالتأكيد لكنها ليست انطوائية، وهي تختار صداقاتها بالتدقيق نفسه الذي تختار به أحجارها، فليس سهلا أن تتفهم فتيات في مثل عمرها وطبقتها الأرستقراطية جدوى الشغف بالأحجار غير الكريمة .
***
يوم ٢٧ مايو يوم تحفظه جيدا جدا ذاكرة المراهقة الصغيرة، لو كنا نملك رفاهية التخلص من ذكرياتنا المؤلمة كما نتخلص من الرسائل الإلكترونية بضغطة زر لكان أمرا رائعا، لكن مع الأسف فإن ما في رؤوسنا لا تمسحه الأزرار. عادت الفتاة من مدرستها كالمعتاد، كانت رائحة الكلور والديتول وكل الروائح التي تشي بأن اليوم كان يوم التنظيف العظيم تفوح من مختلف أنحاء الشقة. يحدث هذا دائما ويحدث بصفة خاصة عندما تتغير معاونة المنزل فيكون هذا المزيج من الروائح النفاذة علامة على جودتها وخبرتها في مجال التنظيف، ثم بالتدريج تخف الرائحة لكنها لا تختفي أبدا. لا مشكلة للفتاة مع الروائح بل لعلها تستطيبها، مشكلتها الوحيدة مع العبث بأشيائها وبصفة خاصة أحجارها غير الكريمة .
***
تواترت الأحداث في هذا اليوم بالترتيب المعروف، حمام سريع ثم غداء ودردشة مع الأم ثم الواجب المدرسي ثم ساعة مع الآيباد وأخيرا يُفتَح الصندوق الخشبي إياه. حانت اللحظة المنتظرة بعد أن فعلت الفتاة كل المطلوب منها وجاء دورها لتفعل هي ما تحب، أمسكَت الصندوق الحبيب فوجدته خفيفا وكان يعييها عادة رفعه وإنزاله، هوى قلبها الصغير إلى قدميها ، كذّبت هواجسها .. مستحيل أن تكون المعاونة الجديدة قد تخلصت من أحجارها لابد أن أحدا حذرها .. لابد أنها سألت .. لابد أنها تريثت. فَتَحَت الصندوق فوَجَدَته فارغا.. بدت لها كل التعليقات المندهشة من هوايتها الغريبة كأنها قهقهات عالية تنبعث من داخل الصندوق وتسخر منها . اختفى المدرب والجار ومدرسة البيانو ورُفٍع الستار إيذانا بانتهاء عرض الليلة وكل ليلة. انتصرت القيمة علي اللاقيمة، تغلب منطق الأحجار الكريمة على تلقائية أحجار الطريق . ضاعت ساعات بل أعوام في البحث والتنقيب والتمرد على سلوك القطيع. فَتَحَت الفتاة باب غرفتها بعصبية وتوجهت كالسهم إلى سلة المهملات الكبيرة فوجدتها خاوية مثلما هو خاو صندوقها الخشبي. أرادت أن تصرخ فاحتبس صوتها وطال احتباسه أياما كثيرة .

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top