المذهبية أقوى من الفساد

25/07/2018 - 12:40:02 am
$name_subcat
المذهبية أقوى من الفساد

/


نشر فى :
الثلاثاء 24 يوليو 2018 – 9:15 م
| آخر تحديث :
الثلاثاء 24 يوليو 2018 – 9:15 م

نشر موقع جريدة الحياة اللندنية مقالا للكاتب «حازم الأمين» وجاء فيه:
أيهما أقوى فى هذا الإقليم، انحياز الجماعات إلى مذاهبها أم انحيازها إلى مصالحها؟ قادة المذاهب، وهم معظم الطبقات السياسية فى المشرق، فاسدون. يُدرك أبناء المذهب ذلك، كما يدرك حملة الهويات القومية الضاغطة على أصحابها أن قادتهم القوميون فاسدون. قادة الشيعة فى العراق وفى لبنان فاسدون، وقادة الأكراد أيضا، وفى سوريا الفساد معمم على كل القوى المتنازعة. وعلى الرغم من ذلك يمثل القادة الفاسدون المصالح المذهبية لجماعاتهم.
ولكن، هل يمكن القياس على ما شهده العراق أخيرا للقول إن الجماعات الأهلية بدأت تدرك أن من يمثل مصالحها المذهبية لا يصلح لتمثيل مصالحها السياسية، وإن إدارته الدولة مثلت كارثة على نحو ما شهد العراق فى مرحلة ما بعد سقوط صدام حسين؟ الأرجح أن من المبكر توقع ذلك. هذا الاستنتاج سيستفز الكثيرين من الأصدقاء العراقيين الذين رأوا فى تظاهرات المواطنين الشيعة ضد الحكومة الشيعية بصيص أمل ببدء مرحلة الابتعاد عن الأحزاب الدينية التى حكمت العراق منذ 2003 ونهبت خيراته وحرمت المواطنين من أدنى الحقوق، أى الماء والكهرباء والتعليم والنقل، هذا قبل الحديث عن أشكال الرفاه الأخرى فى بلد ينعم بثروة نفطية كبرى!
ويضيف الكاتب أن الفساد لا يكفى لكى تطيح جماعة أهلية زعيما أو حزبا فاسدا. هو يكفى لأن تغضب عليه، لكن، ما إن يلوح العدو المذهبى، حتى يستيقظ فى الجماعة خوف أعمق من الخوف من الجوع. تظاهرات الجنوب العراقى انعقدت فى لحظة غياب لهذا العدو بعد دحر «داعش»، لكن إيقاظ «داعش» أمر فى غاية البساطة إذا شعرت الأحزاب الدينية الحاكمة فى العراق أن إيقاظ هذا التنظيم حاجة فى ظل تصدع موقعها داخل جماعاتها.
الفساد وسوء ممارسة السلطة وطبقات الأثرياء الجدد والمظاهر التى رافقت صعود الطبقة السياسية الجديدة، ما زالت كلها من دون المذهبية لجهة القوة والقدرة على تحريك الجماعات. هذه حقيقة مستفزة، إلا أنها حقيقة، ويجب عدم استبعادها فى توقعاتنا لما تشهد مدن الجنوب العراقى. فى لبنان شهدنا ظاهرة مشابهة قبل الانتخابات النيابية الأخيرة. فأهل منطقة البقاع أبدوا تذمرا كبيرا حيال ما يتعرضون له من تمييز فى التمثيل الشيعى فى الدولة قياسا بتمثيل شيعة الجنوب. مناطقهم محرومة فعلا فى وقت ينعم الجنوب بحصة كبرى من المشاريع. عَبر البقاعيون عن هذا الضيق، وأجابهم «حزب الله»، وتحديدا نائب الأمين العام نعيم قاسم، بفظاظة، فرفع سبابته وقال: عليكم أن تتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، ذاك أن «داعش» على الأبواب. وهم فعلا استجابوا، واقترعوا لـ«الحزب» كما لم يقترعوا من قبل.
ما زلنا فى هذا الإقليم قبل مرحلة إدراك الجماعات مصالحها من خارج منظومة الوعى المذهبى. ثم إن المذاهب هنا حقيقة إلى حدٍّ يصعب الفصل بين مصلحتها ومصلحة «مواطنيها». فظواهر إعالة القوى المذهبية جماعاتها حقيقة تفوق حقيقة رعاية الدولة مصالح مواطنيها. فى العراق رواتب عناصر الحشد الشعبى كانت تصل إلى أصحابها فى إحدى المراحل قبل وصول رواتب جنود الجيش، وفى لبنان يبلغ عدد «موظفى» «حزب الله» من مقاتلين وعاملين فى مؤسسات الحزب الأخرى، رقما يوازى أو يفوق رقم موظفى الدولة اللبنانية من أبناء الطائفة الشيعية. علما أن موظف الدولة لكى يصير موظفا عليه أن يأتى إلى الوظيفة من حصة طائفته.
فى مدن الجنوب العراقى ما يشبه «الغضبة» لا الثورة. الفساد صار صورة عن وقاحة الطبقة السياسية. ووجوه هذه الطبقة لم تعد تخجل من صوره. هادى العامرى، قدم «اعتذارا» ينطوى على اعترافٍ بالفساد، ومشعان الجبورى قال إنه هو نفسه قبض رشى بملايين الدولارات. هذه الاعترافات لم تُملِ استقالة ولا محاسبة، بل أملت خطبا شعر أصحابها أنه من غير المضر أن تُستعرض فيها عضلات الفساد، وأن يجاهر الفاسدون بأفعالهم. وهم فعلوا ذلك لأنهم يدركون أن فى أيديهم ما هو أقوى من فضائحهم. فى أيديهم مذهبية قادرة على استدراج تظاهرات أكبر من تظاهرات المحتجين على الفساد.

الحياة ــ لندن

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top