الإمام المتزن.. روشتة الإعداد النفسي للوعاظ والدعاة الإمام المتزن.. روشتة الإعداد النفسي للوعاظ والدعاة

الإمام المتزن.. روشتة الإعداد النفسي للوعاظ والدعاة

06/09/2018 - 06:40:28 pm
$name_subcat
الإمام المتزن.. روشتة الإعداد النفسي للوعاظ والدعاة

/

دائمًا ما يرتبط الحديث عن تجديد الخطاب الدينى بقضية تأهيل وإعداد الأئمة والدعاة فهم حلقة الوصل الرئيسية بين الله وعباده. هؤلاء إما أن يكونوا أداة للبناء ‏ومواجهة التطرف أو معول هدم وبوقًا للجماعات التكفيرية. المهمة الأولى تستوجب «نفسيات سوية» بالأساس تستطيع التعامل برفق مع الدين وتقديمه إلى الناس. هذا ‏يستوجب ضرورة الحديث عن مسألة الإعداد النفسى والتدريب لخطباء المساجد والدعاة وهذا هو اجتهادنا.‏

تجارب الآخرين مؤثرات صوتية ومرئية مصاحبة لـ«خطبة الجمعة».. وخبراء فى المساجد

قبل سنوات، كنت فى زيارة إلى ماليزيا، للوقوف على أسرار نهضتها الحديثة ونقلتها الاجتماعية والاقتصادية الهائلة فى سنوات قليلة نسبيا، وذهبت إلى صلاة الجمعة فى أحد ‏المساجد الكبرى بـ«كوالالمبور».‏
كان المسجد كبيرا ومكونا من طابقين ويصعب رؤية الخطيب لكل الناس، لذا كانت هناك شاشات كبيرة يراها المصلون من أى زاوية وتعرض عليها صورة الخطيب من وقت ‏لآخر، ثم تعرض الآيات والأحاديث التى يذكرها باللغتين العربية والإنجليزية- بسندها الدينى- على نفس الشاشة التى قسمت قسمين.‏
وبدا واضحًا أن ثمة قدرة مميزة فى طريقة عرض خطبة الجمعة والاهتمام بتوصيلها بكل وسائل التوصيل المؤثرة، وهذا يتفق مع ما هو معلوم فى علم التواصل من أن الرسالة التى ‏تصل للمتلقى يعتمد جزء منها ربما ٣٠٪ أو ٤٥٪ على المحتوى اللفظى للرسالة، بينما الجزء الأكبر منها ٥٥٪ – ٧٠٪ يتعلق بوسائل أخرى غير لفظية، منها لغة الجسد والمؤثرات ‏الصوتية والمرئية المصاحبة، وهذا ما نفتقده كثيرا فى خطبة الجمعة لدينا. ورأيتهم فى بعض الدول يأتون ببعض الخبراء والمتخصصين ليتحدثوا فى قضية معينة بعد صلاة الجمعة، ‏يكون الخطيب قد تطرق إليها فى خطبته، فيفهم الناس الموضوع فى جانبيه الشرعى والتخصصى، وتزداد أيضا ثقافة الداعية بالمسائل المطروحة.‏
على سبيل المثال مسألة تفشى تعاطى المخدرات فى المجتمع لا يكفى فيها الوعظ الدينى، بل تحتاج إلى رؤية متخصصة من خبير يكمل بقية عناصر المشكلة ويطرح وسائل ‏العلاج. فطالما الدين يرتبط بالحياة والحياة متطورة، يلزم أن يواكب الواعظ الدينى أساليب الحياة الجديدة، وأن تكون لديه مهارات وعظية ودعوية تجعل رسالته تصل وتؤثر فى ‏المتلقين فتغيرهم للأفضل، ولعل ضعف تأثير الرسالة الدينية فى تغيير أخلاق الناس للأفضل يعود على الأقل فى جزء منه إلى ضعف الإعداد النفسى للدعاة وخطباء المساجد ووعاظ ‏الكنائس.‏
والناس فى مجتمعاتنا اعتادوا أن يستفتوا الدعاة فى كل شىء، نظرا لما يتمتعون به من تقدير واحترام وثقة، لذا وجب على الدعاة أن يتسلحوا بعلوم العصر، خاصة النفسية ‏والتربوية والاجتماعية، وأن يتدربوا على وسائل التوصيل التى تتجاوز توصيل المعلومة المجردة إلى تغيير الاتجاهات والسلوكيات، فالخطاب الدينى لا يهدف فى النهاية إلى زرع ‏معلومات دينية فى أدمغة الناس، ولكنه يهدف فى الأساس إلى تغيير سلوكياتهم. والحديث عن تطوير الخطاب الدينى على أنه تغيير فى المحتوى يفتقد الدقة، فقد يتم تغيير المحتوى ‏ويظل التأثير ضعيفًا كما هو، لأن المحتوى جزء فقط من الرسالة الدعوية، وهناك أجزاء أهم ومنها شخصية الداعية وطريقة أدائه ووسائل التوصيل التى يعتمد عليها وتوجهه نحو ‏تحسين السلوكيات وليس فقط حشو المعلومات الدينية فى الرءوس.‏
وهذا ما يفسر تشوهات السلوك الدينى وتشوهات الأخلاق لدى الناس، رغم كثرة المساجد وكثرة البرامج الدينية وكثرة الخطباء والوعاظ والدعاة وكثرة الكتب الدينية. والتجربة ‏الدينية فى جميع الأديان السماوية قامت على أساس إعداد دينى ونفسى واجتماعى وروحى لمجموعة محيطة بالرسول الكريم، هذه المجموعة تصبح قادرة بعد ذلك- بما اكتسبته من ‏تعاليم ومهارات شخصية ودعوية وما وصلت إليه من ارتقاء سلوكى وروحى- على أن تنشر الدين فى أرجاء الأرض وعلى مر الزمان. وهذا الإعداد المتكامل والمتوازن كان يتم ‏بطرق وآليات مختلفة على يد الرسول الكريم، من خلال الموعظة ومعايشة المواقف الحياتية المختلفة والمرور بتجارب وابتلاءات صعبة تصقل شخصيات المجموعة المحيطة به ‏وتجعلهم نماذج قوية قادرة على تغيير المجتمعات.‏

إشكاليات الخطاب الدينى الحالى الخلط بين الأصول والفروع.. والتركيز على العبادات فقط

قبل الحديث عن طرق الإعداد النفسى للأئمة والدعاة ينبغى الإشارة إلى بعض الإشكاليات التى تواجه الخطاب الدينى الحالى، وهى: ‏
‏١- الخلط بين الأصول والفروع وبين الثوابت والمتغيرات، وهذا يجعل بعض الفروع والمتغيرات تبدو كأصول وثوابت ينطلق منها الشخص نحو التطرف.‏
‏٢- تجزئة الدين وتفكيكه، بما يجعله قضايا منفصلة بعيدة عن الجوهر الكلى له، وحين يتناول العقل هذه الأجزاء المفككة تضطرب التصورات لديه، وقد يرفض الدين كله بسبب ‏رفضه بعض الجزئيات.‏
‏٣- السلطوية والتسلطية من بعض الدعاة، والتى تضع المتلقين فى حالة عدم قدرة على التفكير النقدى أو الحوار الرشيد، فيميلون إما إلى السمع والطاعة المطلقة أو إلى التمرد الحاد ‏والعنيف. ‏
‏٤- التوجه الصراعى الاستقطابى الاستعلائى العنصرى البعيد عن النزعة التراحمية الإنسانية.‏
‏٥- تقييد حرية العقل وحرية الإنسان بأكثر مما يتطلبه الدين فى جوهره، ففى الدين الصحيح تتسع دائرة المباح لتمنح العقل مساحة للتفكر والتدبر والإبداع، أما فى الدين المختزل ‏فتضيق جدا هذه المساحة لتخنق العقل. ‏
‏٦- فرط تديين الحياة البشرية، مما يتيح سلطة استبدادية للقيادات والرموز الدينية.‏
‏٧- الخطاب الترهيبى لدرجة التنفير أو الترغيب الطفولى.‏
‏٨- كثرة الدوجماتيات «المطلقات التى لا تقبل التفسير أو المناقشة». ‏
‏٩- كثرة المفاهيم الخرافية.‏
‏١٠- تعدد وتناقض الخطاب الموجه من المنابر وقنوات البث الدينية المتصارعة على الساحة.‏
‏١١- تسييس الخطاب الدينى بما يفقده نقاءه وصفاءه وتجرده وروحانياته، ما يفقد الناس الثقة فى حياديته.‏
‏١٢- فقدان الخطاب الدينى عناصر التأثير الصحيحة من مهارات التواصل والتأثير وتقنيات التغيير الحقيقية للاتجاهات والسلوك.‏
‏١٣- التركيز على بعدى العقائد والعبادات وإهمال بعدى المعاملات والأخلاق.‏
‏١٤- ضعف الإعداد النفسى والتربوى والاجتماعى والروحى للداعية، والاكتفاء بإعداده معلوماتيا على مستوى النص الدينى. ‏
‏١٥- لغة الجسد غير الموفقة للداعية من حيث ضعف التواصل البصرى، أو تعبيرات الوجه غير المريحة أو المضطربة، أو حركات الجسد المبالغ فيها أو المنفرة، أو نبرات الصوت ‏المزعجة أو الحادة أو العدائية، أو طريقة الوقوف أو الجلوس، أو الملابس غير المناسبة، أو الروائح الغريبة.‏

أجندة العمل موضوعات نفسية فى مناهج المعاهد الدينية وجامعة الأزهر
نصل إلى طرق الإعداد النفسى للوعاظ والدعاة:‏
أولًا: الإعداد فى مراحل مبكرة بالمعاهد الدينية، بشرط أن يستمر ذلك حتى الدراسة الجامعية والدراسات العليا، ويمتد فى صورة دورات تدريبية للوعاظ والدعاة طوال حياتهم ‏خاصة فى مراحل الترقيات. ‏
ثانيًا: التركيز على شخصية الواعظ أو الداعية بشكل كبير، بالإضافة إلى قدرته على التأثير وعلى مهاراته الفطرية والمكتسبة فى توصيل الرسالة الدينية، بما يحقق التأثير فى ‏الاتجاهات والسلوك، وليس فقط فى المعلومات الدينية، وعلى هذا المستوى يصبح عالم الدين نموذجا طيبا وقويا يغرى بالاقتداء من خلال أقواله ولغة جسده وأفعاله.‏
ثالثًا: يتم ذلك من خلال تضمين مناهج الدراسة فى المعاهد الدينية وجامعة الأزهر ووزارة الأوقاف لموضوعات نفسية متدرجة تغطى الموضوعات التالية: ‏
‏١- تركيبة النفس البشرية من منظور علم النفس والمنظور الدينى ونقاط الالتقاء والاختلاف بين المنظورين.‏
‏٢- الاختلاف فى التركيبة النفسية بين الرجل والمرأة وانعكاس ذلك فى العلاقة بينهما، وفى مسألة الحقوق والواجبات المتبادلة.‏
‏٣- سيكولوجية الدين والتدين.‏
‏٤- مراحل تكوين السلوك التدينى، وهى النص الدينى ثم تفسيره، لينتج عن ذلك علم الفقه، ثم وضع مشروع سلوكى بناء على ما سبق، وأخيرا تطبيق هذا المشروع السلوكى على ‏أرض الواقع، مع أهمية الاستفادة بالعلوم النفسية والاجتماعية والتربوية فى تشغيل وتحسين وزيادة فاعلية هذه المراحل.‏
‏٥- أنماط التدين المختلفة، مثل: التدين المعرفى، والتدين العاطفى، والتدين الطقوسى.. إلخ.‏
‏٦- سيكولوجية التطرف والإرهاب، وكيف يخرج السلوك المتطرف والإرهابى من رحم خطاب دينى غير أصيل أو مشوه. ‏
‏٧- مبادئ وأصول العلاقات الزوجية من الناحية النفسية والاجتماعية والشرعية، والقدرة على حل المشكلات الزوجية.‏
‏٨ – مبادئ وأصول التربية للنشء من الناحية النفسية والتربوية والشرعية، والقدرة على حل المشكلات التربوية.‏
‏٩- العلاقة المتوازنة والرشيدة بين الدعوة الدينية والسياسة، بحيث لا يتورط الداعية فى استقطابات أو صراعات سياسية ولا يتم استغلاله أو توظيفه لصالح أحزاب أو تيارات أو ‏قيادات سياسية بعينها.‏
‏١٠ – القدرة على التعامل مع وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية دون فقد التوازن أو الانبهار ببريق الشهرة والوقوع فى فخ النجومية.‏
‏١١- مهارات استخدام وتوظيف وسائل التواصل الإلكترونية الحديثة.‏
‏١٢- طرق الدعوة للمسلمين وغير المسلمين، وفهم اختلاف الثقافات وظروف الحياة المختلفة وتأثير ذلك على التواصل والتأثير والفتوى.‏
‏١٣- التعايش بين الشعوب والأجناس والديانات والطوائف المختلفة على قاعدة التعارف وتبادل المصالح وقبول الآخر المختلف.‏
‏١٤- سيكولوجية الإلحاد. ‏
‏١٥- معرفة موجزة عن المدارس والنظريات النفسية ورؤيتها للنفس البشرية ووضع ذلك فى الميزان والرؤية الإسلامية.‏
‏١٦- وسائل وتقنيات ومهارات تعديل الاتجاهات وتغيير السلوك. ‏
‏١٧- طرق وفنيات مواجهة الضغوط والأزمات تحت إطار معنى الابتلاءات وتقبلها ومواجهة آثارها من المنظور الدينى. ‏
‏١٨- فهم الاضطرابات النفسية وتأثيرها فى السلوك البشرى، ووضع ذلك فى الاعتبار فى التعامل على المستوى الدينى مع المريض، بحيث يقدر الداعية مشكلاته وصعوباته ‏وإعاقاته.‏
‏١٩- فهم الوظيفة الجنسية ومعرفة الاضطرابات الجنسية، وتأثير ذلك فى السلوك البشرى، ويتفرع من ذلك فهم بعض الظواهر المنتشرة فى المجتمعات البشرية وتكوين رؤية علمية ‏وشرعية واعية تجاهها مثل العادة السرية، والجنسية والمثلية، واضطراب الهوية الجنسية ومسألة التحول الجنسى.‏

حلول مطورة ‏ الاعتماد على «المحاضرة التفاعلية» ورحلات السفارى.. تنظيم عروض ‏تمثيلية.. وزيارات ميدانية للمنازل

تتضمن المحاور المستهدفة فى إعداد الواعظ أو الداعية: ‏
‏١- معلومات دينية ونفسية من مصادر صحيحة وموثوق بها.‏
‏٢- مهارات شخصية ودعوية متميزة ومتكاملة ومتوازنة وفعّالة. ‏
‏٣- أخلاقيات وسلوكيات رشيدة ومنضبطة.‏
وغالبًا ما تقتصر الدعوة فى الوقت الحالى على وسيلة المحاضرة التقليدية، وهى بالمناسبة أضعف وسائل التوصيل والتغيير، وإن كانت مهمة كجزء فى سلسلة من التقنيات الأخرى.‏
والرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يكن يعتمد فى الأساس على المحاضرة التقليدية، بل كانت مواعظه تأتى فى وقتها موجزة وموجهة نحو الهدف فى موقف بعينه لكى تثبت فى ‏النفوس، وكانت مواعظه قصيرة ومركزة، وهى جزء من حياة متكاملة يعيشها بين الصحابة بشكل عملى فى السلم والحرب.‏
لذا يحتاج الداعية إلى تنويع مهاراته على المستويات التالية: ‏
‏١- الخطبة المعتادة، مثل خطبة الجمعة. ‏
‏٢- المحاضرة التفاعلية، وقد تصلح لدرس العصر أو المغرب أو العشاء، بحيث يكون حوارا تفاعليا مع الحاضرين وليس درسا تلقينيا أحاديا. ‏
‏٣- مجموعات المناقشة الصغيرة.‏
‏٤- ورش العمل حول مهارات نوعية معينة مثل اختيار شريك الحياة أو حل المشكلات الزوجية، أو حل الصراعات، أو حل المشكلات.‏
‏٥- العصف الذهنى للوصول إلى حلول مبتكرة لمشكلات حياتية، أو للإبداع فى المجالات الدعوية والعلمية والعملية.‏
‏٦- السيكودراما، وهى تمثيل بعض المشكلات بواسطة بعض الأفراد للوصول إلى إدراك جوانب المشكلة وتأثير العوامل النفسية للأفراد فى تفاقم أو حل المشكلة.‏
‏٧- الزيارات الميدانية للأسر فى بيوتها أو للناس فى أماكن عملها.‏
‏٨- الرحلات والسفارى والمعسكرات ومخيمات الجوالة التى يشارك فيها الداعية الناس لحظات سعادتهم واستكشافاتهم ومغامراتهم، وفى نفس الوقت يسهم فى ضبط السلوك بشكل ‏مقبول.‏
‏٩- النشاطات الرياضية والمسابقات بين الشباب بروح رياضية وضوابط شرعية.‏
‏١٠- حضور المناسبات الاجتماعية والدينية مع الناس والمساهمة فيها بشكل متوازن ومؤثر. ‏
‏١١- المشاركة فى التأهيل النفسى والاجتماعى والدينى للمحتجزين فى دور الرعاية والسجون ودور المسنين.‏
وفيما يتعلق بآلية تنفيذ مشروع الإعداد النفسى للوعاظ والدعاة نقترح تشكيل لجنة مشتركة من الأزهر الشريف، المشيخة وجامعة الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، وممثلين عن ‏الإعلام وممثلين عن الطب النفسى وعلم النفس من الجامعات المصرية، تضع تصورا عاما للمشروع وخطوات تنفيذه وآلياته على مراحل مختلفة. وتكون اللجنة مسئولة عن وضع خطة ‏تفصيلية بذلك، ثم ترفع للجهات العليا للتقييم والتعديل والموافقة، وأخيرًا يبدأ التنفيذ، على أن تكون هناك مراجعة نصف سنوية لما تم إنجازه وإجراء تغذية راجعة لتحسن الأداء، ورفع ‏تقارير عن جدوى وتأثير تطبيق هذا المشروع وما يحتاجه من تعديلات أو تحسينات.‏

المزيد من الأخبار عاجلة

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top