صانع البهجة.. 3 زوايا خاصة لقراءة شخصية محمد صلاح

31/08/2018 - 07:40:28 pm
$name_subcat
صانع البهجة.. 3 زوايا خاصة لقراءة شخصية محمد صلاح

/

إسرائيل.. أصعب فتراته قضاها فى نادٍ يملكه يهودى.. لا يعترف بالكيان الصهيونى.. ويرفض سلوكيات تل أبيب تجاه العرب والمسلمين

بتاريخ ٩ أبريل الماضى، كتب موقع «cbc» متحدثًا عن جماهيرية محمد صلاح وأبوتريكة: «تلك الجماهيرية دائما يظهر أثرها فى إسرائيل، التى طالما اهتم الكثيرون من شعبها بما يحدث فى المحيط العربى والمصرى على وجه الخصوص، بدءًا من كرة القدم حتى السياسة، إلا أن الموقف من النجمين كان مختلفا فى إسرائيل، التى يفضل إعلامها (مو صلاح) على (تريكة)، رغم مواقف صلاح التى تشير إلى أن مشاعره تجاه الكيان الذى لا يزال يحتل فلسطين ليست إيجابية، فهم يحبون صلاح رغم رفضه مصافحة لاعبيهم».

ويضيف الموقع: «نشرت صحيفة (المصدر) الإسرائيلية مقالا أوضحت فيه أن الإسرائيليين باتوا يحبون صلاح، حتى إن صفحة مشجعى نادى ليفربول الإسرائيلية عبر فيسبوك، نشرت خبرا كاذبا مطلع أبريل عن صلاح، احتفاءً بمقالب كذبة أبريل، ولاقى هذا الخبر استياءً واضحًا من متابعى الصفحة وأن أخبار صلاح تنشر أولا بأول عبر هذه الصفحة، وتلقى تفاعلا واضحا فيها، بخلاف أى خبر يخص لاعبا آخر من لاعبى النادى الإنجليزى واسع الشهرة».

واعتبر الموقع أن هذه «مفارقة كبيرة، إذ أظهر اللاعب محمد صلاح باحترافية، موقفه غير الإيجابى تجاه إسرائيل، فى دورى أبطال أوروبا عام ٢٠١٣، حين كان محترفا لدى نادى بازل السويسرى، واضطر لمواجهة نادى مكابى تل أبيب».

وتابع: «رغم الضغط الجماهيرى الحاصل على صلاح من المصريين بعدم لعب المباراة، واجه صلاح الفريق الإسرائيلى، واعتبرته صحف أوروبية نجم المباراة الأول، لكن عدة صحف نقلت رفضه مصافحة لاعبى الفريق الإسرائيلى، ودفعه بقبضة يده إليهم».

وأكمل: الصحافة الإسرائيلية وعلى رأسها صحيفة «معاريف» انتقدت تصرفات محمد صلاح بعد اللقاء، وقالت عنه، «لم يتصرف بصورة رياضية، واختلق عذرا لعدم مصافحة لاعبى مكابى تل أبيب».
وأشار الموقع إلى أنه «فى أغسطس من العام ذاته بدأ صلاح اللقاء أمام مكابى تل أبيب فى إسرائيل، وسجل الهدف الثانى لفريقه لتصبح النتيجة ٢-٠ فى لقاء انتهى بالتعادل ٣-٣، وفاجأ الجميع بسجدة فى ملعب لم يعتد على مثل هذه التصرفات».
ولفت إلى أنه «بعدما انتقل صلاح إلى نادى تشيلسى الإنجليزى، قالت صحيفة (ديلى ميل) الإنجليزية إن صلاح تم شراؤه من قبل ناد يملكه اليهودى رومان إبراموفيتش، وفى إدارته العديد من اللاعبين اليهود».
وما لم يذكره الموقع وتجدر الإشارة إليه بخصوص لعب محمد صلاح فى فريق تشيلسى الإنجليزى، هو أن تلك الفترة كانت من أصعب الفترات فى حياة اللاعب، حيث تعمد مدرب الفريق ترك صلاح فى أغلب المباريات جالسا على دكة الاحتياطى ما أثر فيه كثيرا، ولم يمنحه الفرصة لإظهار ملكاته الكروية الفائقة.
فهل كان هذا أمرا متعمدا بناءً على المعلومة التى أوردتها الصحيفة بأن النادى يملكه اليهودى رومان إبراموفيتش، وأن تلك كانت خطة لحرق محمد صلاح، ولكنها لم تنجح بسبب تركه النادى بعد ذلك وتوجهه إلى روما، حيث حقق نجاحات مبهرة؟.
نعود مرة أخرى إلى ما كتبه «cbc»: «ازدادت شعبية محمد صلاح كثيرًا فى العالم العربى بعد ذلك الموقف فى إسرائيل وما تبعه من أحداث، الأمر الذى دفع صحيفة (إسرائيل حايوم) للتصريح غاضبة تجاهه، وكتبت: «إنه لاعب مثير للأزمات والكراهية، ويفتخر بذلك».
ونستطيع القول بأن موقف صلاح تجاه إسرائيل ينطلق من قاعدتين، قاعدة دينية، وقاعدة شعبية وطنية.. أما القاعدة الدينية فلكونه متدينا يرفض احتلال إسرائيل واستيلائها على المسجد الأقصى والعبث به وبالمقدسات الإسلامية وانتهاكها حقوق الشعب الفلسطينى، وحروبها المتكررة ضد الشعوب العربية والإسلامية. وأما القاعدة الشعبية الوطنية فهى تلك العقيدة وما يصاحبها من مشاعر كراهية ورفض للكيان الإسرائيلى تكمن فى نفوس المصريين والعرب والمسلمين بناءً على تراكم تاريخى لسلوكيات الكيان المغتصب.

الالتزام الدينى..اللحية و«مكة» والسجود أبرز مظاهره.. ونزعته الدينية تُعجب الأوروبيين
يبدو الالتزام الدينى عنصرا جوهريا فى شخصية محمد صلاح، وهذا ليس غريبا على شاب نشأ فى إحدى قرى مصر وتعوّد أن يصحو مبكرا على صوت أذان الفجر، ثم بعدها يستمع لصوت القرآن الكريم ينطلق من البيوت والمحلات والمقاهى، ويعيش أيام رمضان صائما وليالى رمضان مصليا ومسبحا، فهذا هو السمت الدينى المصرى الأصيل والعميق والبعيد عن الشطط والغلو.
وقد بدا هذا فى تمسكه بأداء الصلوات، وفى إصراره على الصيام حتى فى المباريات المهمة على الرغم من ضغوط المدربين عليه لكى يفطر، واعتياده على القراءة فى المصحف أثناء أسفاره بالطائرة، ودعائه قبل كل مباراة وتوجهه بوجهه نحو السماء مستلهما التوفيق من رب السماء ثم يمسح على وجهه بعد الدعاء والتضرع وهى عادة إسلامية أصيلة، وسجوده بعد كل هدف يحققه، وكثرة عطاياه الخيرية لأهل بلدته، وعزوفه عن مغريات الحياة الأوروبية من سهر وخمر ونساء ولهو، والتزامه ببيته وأسرته، وحرصه على استقدام عائلته الأكبر للإقامة معه فى أوروبا خاصة خلال شهر رمضان، وإطلاقه للحيته، وتسميته ابنته «مكة».
وقد أحب الأوروبيون صلاح، وأحبوا فيه سمته المتدين وأحبوا أخلاقه وتواضعه واجتهاده، واحترموا فيه ابتعاده عن الخمر واحترموا فيه سجدته بعد كل هدف يسجله، وغنوا له أغنية يعلنون فيها عن استعدادهم للتحول إلى الإسلام لو سجل مزيدا من الأهداف، وهذا ينم عن قدر هائل من التسامح وقبول الآخر لدى المشجعين الأوروبيين.
وتعلق الكاتبة داليا سعودى (الشروق ٢٠ مارس ٢٠١٨) على سجدة محمد صلاح بقولها: «هل تدركون يا سادة مبلغ القوة النفسية التى تقتضيها تلك السجدة وسط عشرات الآلاف فى بلاد تتعالى فيها الصيحات المضادة للجماهير إلى الحد الذى أدى إلى التصويت لصالح خروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبى؟ هل تعلمون ما يمكن أن تغيره سجدة البطل صلاح فى ملف دمج المسلمين وتقبلهم فى بلاد شهدت اغتيال النائبة جو كوكس وتزايدت فيها جرائم الكراهية، وليس جريمة قتل الطالبة المصرية مريم عبدالسلام ببعيد؟ هل تدركون أثر هذه السجدة الشجاعة على المهاجرين البسطاء الذين يواجهون كل يوم فى أعمالهم صورا من التضييق باسم الإسلاموفوبيا؟». ولكن هذا السمت الدينى يزعج الكثيرين من اليساريين والعلمانيين واللادينيين عندنا فى بلاد العرب التى يفترض أن غالبيتها يدينون بالإسلام، فهم يرون فى سمته المتدين خروجا على معايير النجم العالمى فى تصورهم، ويرون أنه نموذج للتطرف الدينى ويشبه مظهر الإرهابيين، ويدعونه إلى حلق لحيته وشعره وتغيير اسم ابنته «مكة»، فهم لا يطيقون النجاح بنكهة دينية، بل إنهم يخشون أن يصبح صلاح نموذجا يحتذى للشباب بسمته الدينى وأخلاقه العالية، فهم يرون أن النجومية لابد وأن تكون منفلتة، وأن الإبداع لا يجب أن يكون أخلاقيا.

الوطنية.. صاحب الفضل الأكبر فى الوصول لروسيا وتحمّل نفسيًا فضيحة صفر المونديال
كتبت هذا الفصل بعدما رأيت ما حدث لمحمد صلاح أثناء مشاركته مع منتخب مصر فى مباريات كأس العالم بروسيا ٢٠١٨. وكما نعلم، فقد كان لصلاح الفضل الأكبر فى وصول المنتخب لكأس العالم بالهدف الذى أحرزه فى مرمى الكونغو فى الدقيقة الأخيرة للمباراة.
ولقد شارك اللاعب الموهوب فى مباراة مع روسيا ثم فى مباراة مع السعودية وهو لم يزل بعد متأثرا بإصابته فى كتفه، ومع ذلك أحرز أهدافا وأثبت وجوده، ولكن من يراه بعد نهاية مباراة السعودية وخروج منتخب مصر مبكرا من كأس العالم يدرك حجم المشكلات وربما الإساءات التى لحقت بمحمد صلاح جراء سوء إدارة المنتخب، وحالة الفوضى التى حدثت بالفندق الذى أقام فيه المنتخب، وانتشار الفنانين والفنانات حول اللاعبين.
وأيضا استغلال الكثيرين لهذا الحدث الرياضى المهم لتحقيق مكاسب مادية وإعلامية وشخصية، والإقامة فى فندق يبعد عن مكان اللعب بثلاث ساعات طيران لتوفير مبالغ الإقامة وتوجيهها للمنتفعين، وقبول استضافة رئيس الشيشان للبعثة مما فتح نيران الإعلام الأوروبى على محمد صلاح، مع الأداء الردىء للمنتخب فى كل المباريات نتيجة كل هذه الفوضى فى الإدارة.
ويبدو أن حجم التجاوزات والأخطاء كان كبيرا جدا، وظهر كل ذلك على وجه محمد صلاح فى صورة استياء واضح لم يستطع الإفصاح عنه باللغة اللفظية حفاظا على اعتبارات إدارية وسياسية معينة يعرفها بذكائه الشديد، وقد شكل هذا ارتباكا واضطرابا فى مسيرته الشخصية والكروية، فهو لم يعد يحتمل هذه الأجواء العشوائية وهذه الفوضى الإدارية، فهو قد ترك المنظومة المصرية مبكرا، ولعب ضمن منظومات كروية أوروبية تعرف النظام والدقة والشفافية والانضباط والتخطيط، وقد نجح نجاحا مبهرا ضمن هذه المنظومات العبقرية.
ولهذا كتب الإعلامى شريف الشوباشى مقالا قويا وقاسيا على صفحته على «فيسبوك» يحذر محمد صلاح من عدوى الارتباك والفوضى فى الحالة المصرية، وفيما يلى نص المقال:
«عزيزى محمد صلاح.. بعد التحية
إذا أردت أن تظل لاعبا عالميا على أعلى مستوى كما أثبت فى العام المنصرم.. فابتعد عن مصر.. ابتعد عن مصر تماما.. فأنت إنسان ناجح ونحن (ناجحون جدا) فى أن نحول الناجح إلى فاشل وفى أن نجعل الناجح يكره حياته ويسقط فى الهاوية معنا.
ابتعد عنا.. فنحن غير جادين فى أى شىء. ابتعد عنا، فنحن تعلمنا فى الأربعين سنة الماضية فنون الرقص والطبل والزمر والهجص والفهلوة والارتجال والتعصب والتطرف واللسان الطويل.. أما أنت فقد تعلمت الالتزام والجدية والرجولة وإنكار الذات فى الملعب.. لا أقصد ألا تلعب مع منتخب بلدك.. بالعكس.. شارك فى كل مباريات مصر الدولية لكن إياك أن تشارك فى معسكرات تمهيدية أو غير تمهيدية.. انزل فى فندق بعيد عن فندق المنتخب ولا تراهم إلا لحظة انطلاق صافرة الحكم.. فهناك عدوى اسمها عدوى التخلف وهى أخطر من الكوليرا ومن الطاعون. ولاعبونا يحملون جراثيم هذه العدوى بتفوق.. لا تتعلم منهم التعصب والتطرف الدينى ولا تؤمن مثلهم بأن الله يتدخل فى كرة القدم وفى الفريق الذى يفوز أو يهزم.. أو أن الملائكة هى التى تحمل الكرة داخل الشباك، كما قال فى التليفزيون بمنتهى الثبات اللاعب أحمد حسن كابتن منتخب مصر الأسبق.
ابتعد عنا تماما لمدة السنوات الخمس القادمة ولا تأتى لمصر إلا فى زيارات خاصة وسرية ترى فيها أسرتك فقط.. ابتعد عنا تماما لتبنى أسطورة لاعب كرة مصرى صار أعظم لاعبى العالم وأفضلهم فنا ولعبا وخلقا والتزاما.. ابتعد عنا.. حماك الله ورعاك».
هذه الأزمة التى يواجهها محمد صلاح فى تعامله مع بلده الذى يعانى مشاكل كثيرة تراكمت عبر السنين، عانى منها أيضا نجيب محفوظ وأحمد زويل وغيرهما، حيث كان هؤلاء على المستوى الدولى نجوما ساطعة وقد حصلوا على جائزة نوبل، ولكن حين يقتربون من دوامات المشاكل المصرية يجدون أنفسهم فى أوضاع صعبة وفى صراع بين الانتماء للوطن وبين تحمل فواتير أخطاء قد تشوِّه تركيبتهم الإبداعية النقية أو تؤثر فى سمعتهم الدولية، فعانى كل منهم بطريقته، وعاشوا صراعا بين حب وطن مضطرب وبين الوفاء لمعايير راقية دفعتهم نحو العالمية والارتقاء العلمى والأدبى والسياسى والقانونى.
محمد صلاح وطنى حتى النخاع، وهو قد أعطى الكثير لوطنه، ولبلده مسقط رأسه، وتزوج منها، ويسعد بفرحة المصريين به، ومع ذلك قد يشكل اقترابه من المنظومة المصرية المضطربة جرحا وألما لا يحتمله تكوينه المستقيم وحياته المعتدلة واحتياجات موهبته المتألقة.

المزيد من الأخبار عاجلة

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top