أبناء وبنات الحياة

17/09/2017 - 04:20:01 pm
$name_subcat
أبناء وبنات الحياة

/


نشر فى :
الأحد 17 سبتمبر 2017 – 2:45 م
| آخر تحديث :
الأحد 17 سبتمبر 2017 – 2:45 م

كتب جبران خليل جبران فى كتابه النبى: «أولادكم ليسوا أولادا لكم، إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، فهم بكم يأتون للعالم ولكن ليس منكم، ومع أنهم يعيشون معكم. فهم ليسوا ملكا لكم، فأنتم تستطيعون منحهم محبتكم، ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارهم الخاصة، وبقدرتكم صنع مساكن أجسادهم… لكن نفوسهم لا تقطن فى مساكنكم، فهى تقطن مسكن الغد الذى لا تستطيعون زيارته حتى ولا فى أحلامكم حتى لو جاهدتوا لكى تصيروا مثلهم، وعبثا تحاولون أن تجعلونهم مثلكم، لأن الحياة لا ترجع للوراء ولا تلذ لها الإقامة فى منازل الأمس».

فعل الإنجاب قد يكون بقرار واعٍ لدى المرأة أو الرجل، وفى الأغلب لا يكون؛ فالإنجاب نتيجة طبيعية للزواج فى مجتمعنا، ولأن الإنسان جزء من عالم الحيوان وراحته النفسية تكمن فى كونه جزء من «سرب» أو «قبيلة»، وفى يومنا هذا «عائلتنا» أى مجموعة الأفراد الذين نعولهم هى سربنا وقبيلتنا. وتدفعنا رغبتنا فى البقاء إلى الإنجاب والتكاثر، فنحن ننجب بإرادة واعية أو غير واعية لما يأتى بعد فعل الإنجاب.

***
نحتضن أبنائنا لأول مرة فتغمرنا أحاسيس من الحب والفخر والخوف، فهذا الكائن الصغير، المعتمد علينا فى كل شىء، سيغير حياتنا إلى الأبد، وسيغير علاقتنا كزوجين. وإذا لم تكن الرغبة فى الإنجاب مشتركة ومفهومنا عن الأسرة متقاربة فالعودة من المستشفى برضيع ممكن أن تكون بداية لعلاقة أقوى بين الزوجين وممكن تكون نهاية. ولهذا فالمشاركة بين الزوجين طوال الحمل، وأثناء الولادة، وفيما بعد فى كل تفاصيل حياة الطفل اليومية، الحلو فيها والممل والمرهق، هى استثمار فى خلق رابط بين كل فرد من الثلاثة (الأم والأب والطفل)، وعدم إدراك أهمية السنوات الأولى فى خلق هذا الرابط، يشكل خطرا حقيقيا على علاقة الأبوين ببعضهما وعلى علاقة الطفل بهما.

ولأن الطفلة تبدو قليلة الحيلة عند ولادتها، فننسى أنها من أول يوم إنسان، لها شخصية ورغبات، لها صفات حلوة وأخرى سلبية، ومن أعز حبنا لأبنائنا نتخيل أن فى إمكاننا أن نشكلهم ليكونوا أفضل منا ويحققوا الأحلام التى لم نحققها نحن. والحقيقة أن هذا غير ممكن، وأن «الحب الغير مشروط» أكبر هدية يمكننا إهداؤها لهم، ففى هذا العالم لن يكون هناك غيرنا يحبونهم كما هم بكل عيوبهم الإنسانية، وحبنا هذا هو الأمان الذى يستندون عليه فى حياتهم، وهو ما يعطيهم الثقة بالنفس والقناعة أنهم يستطيعون مواجهة الحياة. ومهما كانت طموحتنا لهم فليس من حقنا أن نفرضها عليهم، لأنهم قد لا يحملون صفات تحقيقها، وقد لا يكون تحقيقها بالضرورة سببا لسعادتهم.

***

التربية الإيجابية، لا تعنى عدم وجود قواعد وأصول، لأن وجود قواعد مطبقة داخل المنزل تطمئن الطفل أن هناك «قانونًا» والقانون حتى لو كان فيه ما لا يأتى على هوى الطفل فهو أفضل من «اللا قانون» لإنه يعطى الأمان والإحساس أن هناك جهة عليا «الأم والأب» يمسكون الدفة ويتحملوا المسئولية. وبالتالى ترك الأطفال لتحديد مواعيد النوم والأكل، أو نوعية الغذاء، أو عدد ساعات استخدام الأجهزة الإلكترونية فهو تراخى لن يؤدى إلى أى سعادة للأطفال ولا صحتهم فى النهاية. وهو أمر لا يتعارض مع إعطائهم فرصة لأخذ قرارات بسيطة وكسب معارك صغيرة فيما يتعلق بحياتهم اليومية طالما أعطيناهم آليات صحيحة لذلك. فالأطفال من عمر يوم وحتى ١٨ عامًا يحاولون طوال الوقت أن يوسعوا حدود سلطاتهم ليكتسبوا حقوقًا جديدة. من أول الرضيع الذى يقرر ألا ينام إلا فى حضن أمه ويصرخ كلما وضعته، إلى الطفلة التى تترك ألعابها متناثرة ولا ترغب فى جمعها، إلى المراهق الذى يرغب فى كسر مواعيد عودته إلى المنزل. كلها أمثلة لمواقف نوضع فيها كآباء وأمهات ما بين رغبة الطفل، ومصلحته، وحرصنا على عدم كسر إرادته. وتصرفنا فى هذه المواقف يعتمد على خبرتنا فى التربية التى أخذناها من تربية والدينا لنا، ومن قواعد المجتمع المحيطة بنا، لكن أيضا من قناعتنا بأنهم أشخاص لهم شخصيات واحتياجات مختلفة عنا وأن كسر إرادتهم خطر كبير.

أن نسمح للطفل أن يخطئ وأن يتحمل نتيجة خطئه، من أصعب ما يطلب منا، لكنها أيضا من أهم المهارات التى نعطيها لهم، فعندما نحرم الطفل من حق فى الخطأ، فنحن نحرمه فى الحقيقة من الحق فى التجربة، والتفكير، كما أننا نحرمه من مرارة دفع فاتورة الخطأ وهو درس أفضل كثيرا أن نتحمله فى الصغر عندما تكون الأخطاء بسيطة عن أن نتحمله بعد أن نخرج من عباءة الأسرة. ومعرفتنا أن هناك شخصين فى هذا العالم يحبوننا مهما أخطاءنا هو ما يجعلنا نلجأ إليهم حتى لو كان خطأنا مخزيًا، وهو صمام الأمان ليس للطفل فقط لكن الأهم أنه ما يجعلنا ننام مطمئنين أن مهما واجهوا فى حياتهم فسيعودون إلينا للنصح والمساندة فيما بعد.

حبوا أبناءكم كما خلقهم الله، فهم ليسوا ملائكة ولا يجب أن يكونوا سوبرمان، وليس مطلوب منهم أن يكسبوا نوبل ولا أن يكونوا بيل جايتس، فقط نطلب أن يكون عندهم إنسانية ويعيشون سعداء وأصحاء ويعرفون كيف يحافظون على سلامتهم. حينها سيبهرونكم بما لا تتوقعون.

المزيد من المقالات

اخبار ممكن أن تعجبك

اضف تعليق

Top