مصر هي المشكلة والحل بقلم | د. أماني إبراهيم
مقالات
30/11/2016 - 10:12:01 pm
|
مصر هي المشكلة والحل بقلم | د. أماني إبراهيم


<>

أماني إبراهيم

لن أتحدث عن الحضارة المصرية، ولن أذكركم بالسبعة آلاف عامًا من تاريخ القدماء المصريين الذين قدموا للعالم نموذجًا من التاريخ الحضاري، عجزو حتى الآن من تحقيقه، على الرغم من كل هذا التقدم والتطور.

ولن أتحدث كثيرًا عما قدمته مصر ولا زالت عن العقول المصرية كمُصدر أول للعقول تتنفس بها البشرية حتى الآن، ولن أتحدث كثيرًا عن أنقاذ مصر لأوروبا من تفاقم الفقر والمجاعة عام 1918 حين أرسلت مصر لبلجيكا معونة بمقدار 1500 فرنك، لترسل بعدها بريطانيا خطابًا رسميًا تشكر مصر، وحين كانت البورصة المصرية هي البورصة العالمية بناءًا على ثراء إنتاجها للذهب الأبيض طويل التيلة ألا وهو القطن المصري.

لكني ساذكركم بما هو العهد القريب لتظل مصر هي أولًا وأخيرًا، وعن استراتيجية الـ 43 عامًا السابقة أتحدث، استراتيجية حرب أكتوبر تلك الاستراتيجية التي حافظت على الكيان المصري حتى الآن، استراتيجية جعلت من مصر دائمًا مصدر لقلق أعدائنا من قوتنا وصبرنا وشموخ أنفسنا استراتيجية تدرس حتى الآن، وحديث التاريخ عن دهاء المناورات العسكرية المصرية والتي دامت عدة سنوات حتى جاءت ساعة الصفر لتنفيذها حين كان العالم كله في ذلك الحين يتوقع الحرب بين لحظة وأخرى، خاصة إسرائيل التي كانت متحفزة في أي وقت للحرب، ولكن دهاء الجيش المصري وقياداته استطاعت ضرب المثل الأعلى في المراوغة ودقة التنفيذ والوقت المناسب للانتصار لتعطي درسًا للعالم بأن «مصر أولًا».

لا بد من حل أزمة الوطن العربي الآن على أيدي ابنائه، وتحويل الوضع من الجمود إلى الحركة، وذلك بتغيير الفكر العربي من الفكر المنفعل للفكر المتعقل، لأن العقل العربي الذي يعتمد على تاريخه القديم هو من باب الاحساس بالأمان فقط لاغير، دون محاولات جادة بخلق عقل أو فكر أو شخصية متميزة تنهض بالأمة العربية كما فعلت أوروبا بعد انغامسها في عصور الجهل والظلام والتعصب العرقي والطائفي، وذلك لن يكون إلا بتحرير الفكر والعلم والقدرة على الإبداع والابتكار، والتوقف عن التحليل والمناظرة والصراع المتواصل بين العقل الفاعل والمنفعل من حيث الهوية والثقافة، ومنها ينطلق المجتمع العربي إلى عالم من متحضر مثقف إلى عالما من الأبداع الحضاري.

مصر هي محور العالم العربي، وقائد النهضة والفكر والثقافة لذا تم استهدافها في كل المحاور للتمكن من السيطرة على من هم حولها من الدول العربية فاستهدفوا تدمير الاقتصاد وانهيار التعليم وتمكين الإخوان وأدائهم السياسي السطحي، والنتيجة فشل جميع الأطراف وتمكين القوى العظمى من لوي ذراعنا، وإذا كانت أوروبا والولايات المتحدة قد شكّلتا مركز العالم منذ القرن السابع عشر فإن مركز الثقل يميل اليوم نحو آسيا الصاعدة، هذا إلى جانب بروز مخاطر جديدة ليس أقلّها إمكانية استخدام السلاح النووي، بينما تستمر مغامرة الإنسان في اكتشاف أسرار جسده وأسرار الفضاء المحيط فيه.

وجاءت ظاهرة العولمة كتتويج لمسار بدأ منذ قرون، ووفّرت وسائل اتصال هائلة لكنها زادت أيضًا من قلق الإنسان المشدود بين الماضي والمستقبل «المجهول»، وهذا يستدعي التأمّل العميق، ليعلن القرن الحادي والعشرون بداية مرحلة جديدة مختلفة عمّا سبقها في تاريخ الإنسانية، هذا ما يبدأ ملاحظته أن ما أصبحنا عليه واقعا نعيشه ونعايشه لم يكن موجودًا أو أنه كان في بدايات ظهوره في القرن الماضي العشرين، فالعالم يعيش اليوم عصر الإنترنت والهاتف المحمول والتلفزيون، الذي ينقل كل ما يجري في الدنيا من أحداث عند لحظة وقوعها والمسافات التي كان يحتاج الإنسان إلى شهور لقطعها أصبحت لا تحتاج سوى لبضع ساعات القائمة طويلة.

أن التسارع هو أحد سمات العصر والمعلومات يتم تبادلها في لحظة، وفي مثل هذا السياق من التطوّر السريع لأسعار صرف العملات وتعاظم عمليات المبادلات المالية في ظل حريّة حركة رؤوس الأموال برزت الأزمة المالية العالمية في خريف العام الماضي، كي تعيد إلى الأذهان أزمة عام 1929 التي ساهمت في خلق الأجواء التي قادت إلى نشوب الحرب العالمية الثانية.

واليوم يلوح أفق نضوب الموارد البترولية والغازية بعد فترة «الأجداد» التي كان يسود فيها الاعتقاد أنه لا نضوب لها، والمناخ الذي كان يبدو معطيً نهائيا لأهل كوكبنا بدأ يعرف بعض التغيّر بفعل نشاطات البشر، فقد تبدل العالم بحضارة حققتها أوروبا منذ القرن السابع عشر إلى نمو الحضارة الآسيوية في القرن الواحد وعشرين، لتتوالى الأحداث وتأتي استراتيجية «تعويم الجنيه المصري» حارقة، لكنها كالدواء المر والقاسي والذي ثبت سعر العملة الصعبة أمام الجنيه المصري بشكل موحد لتصبح تلك الاستراتيجية دفعة إلى الأمام لجذب الأستثمارات إلى مصر والقدرة على الإنتاج خاصة قطاع المواد البترولية.

فالتحدي القائم بازدياد النمو البشري من واحد مليار ونصف عام 1900 إلى 9 مليار نسمة في أفق 2050 أي بزيادة سكانية 50% مع تحديات نضوب الموارد البترولية والغازية، وعلى الرغم من سرعة التواصل إلا أنه لا زال له صبغة الجهل بحقيقة المجتمع الآخر من حيث الثقافة والجوهر وهذا من الأثار السلبية للعولمة سيادة دون تعمق في ثقافة وفكر الآخر أي أنها سيادة سطحية تفقد المواطن هويته.

من هنا تأتي ضرورة فكرة إدارة النزاع والصراع لأن النزاع مجرد اختلافا بسيطًا لا يؤدي إلى الصراع كما هو الآن لمن يتصيد العلاقات المصرية السعودية.. فلماذا الحديث الدائم عن دول الخليج وبالأخص السعودية على أنها بلاد البادية والحفاة العراة، بينما لايذكر أحدًا فينا أصول أمريكا كهنود حمر لم يمارسوا الحضارة، وهم أقل بكثير مما يذكره العالم، من هنا يترصد المترصدون لتحويل النزاع المصري السعودي إلى صراع مصري عربي خاصة بعد انهيار من هم حول مصر والخليج كدولة العراق وسوريا ولبنان وليبيا والقضية العربية الاستراتيجية إلا وهي القضية الفلسطينية.

لم يعد أمامنا الكثير من الحلول للخروج من أزماتنا ولم يعد هناك بديلًا عن «وحدة التكامل العربي»، لإعادة ماتم اسقاطه بعد مساندة مصر الأم للعالم العربي والموجود حاليًا بقوتها على أرض الواقع من دولة عظيمة وشعب مثابر ومساندة دول الخليج، وتفادي أخطار الفتنة المراد بها الأيقاع بين مصر والسعودية، وبالتحديد لماذا الآن ولماذا تتفتح جراحًا لاداعي لها وتأجيج ماهو ليس بموجودًا حتى الآن بين النفوس العربية إلا لمحاولة دنيئة بإسقاط المتبقي من القوة العربية، لكننا لن ننساق وسنحاول صامدين التوقف عن سلبياتنا وتحويلها إلى إيجابيات الحفاظ على الأرض والعرض والوطن وحماكي الله يا مصر.

|
المزيد من المقالات
تعليقات فيسبوك
راسلنا
اعلانات
كاريكاتير
التواصل الاجتماعي
تصويت واستطلاع رئي
ارشيف الموقع