الأمن الغذائي وسياسات الدعم..بقلم | د.علي اسماعيل
مقالات
19/10/2016 - 10:47:13 pm
|
الأمن الغذائي وسياسات الدعم..بقلم | د.علي اسماعيل


<>

د.علي إسماعيل

إن الأمن الغذائي بمفهومة الواسع والعميق يعني قدرة الدولة علي توفيراحتياجاتها من السلع الغذائية المختلفة سواء كانت من محاصيل الحبوب والزيوت والسكر كسلع إستراتيجية والألبان واللحوم، كمصدر رئيسي للبروتين والخضر والفاكهة وتقوم الدول بوضع السياسات الزراعية حسب قدراتها الاقتصادية لرسم السياسة الإنتاجية حسب مواردها الطبيعية والاقتصادية والطبيعة الديموجرافية وتوزيع السكان بين الريف والحضر، والعمل علي توفير الاحتياجات اللازمة من هذة السلع من الإنتاج المحلي أو الاستيراد، مع إمكانية توفير مخزون استراتيجي ملائم من السلع الضرورية الاستراتيجية بالشكل الذي يؤمن قدرة الدولة علي حماية نفسها وسكانها من تعرضها للازمات والمشاكل الاجتماعية.

فالسكان يلزمهم توفير احتياجاتهم الأساسية من هذة السلع، وربما تقوم بعض الدول بتوفير السلع وتقوم بدعمها لتوفيرها بأسعار مناسبة حسب دخول مواطنيها وبرامج الحماية الاجتماعية التي تطلبها المنظومة ، فالبعض منها يلجأ لتقديم الدعم العيني والأخر إلي الدعم النقدي المباشر للفئات الاجتماعية الأقل دخلًا، وتزداد ما تتحملة موازنة هذة الدول أعباءًا في حالة ارتفاع أسعار هذة السلع عالميًا نظرًا لزيادة المخصصات المطلوبة لتوفيرها من السوق العالمي، وعرضها بالأسواق المحلية بالأسعار المناسبة. فالاستراتيجيات الناجحة هي ما تضع لديها توازنات لتوفير أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي المحلي لتلك السلع من الإنتاج الوطني، ورغم انخفاض الأسعار العالمية لبعض هذة السلع في أعوام الوفرة من الإنتاج المحلي، وبالتالي يري بعض المخططين والخبراء أن استيراد تلك السلع أرخص من إنتاجها إلا أن البعض الآخر يري أن المنتج المحلي حتي لو ارتفعت فاتورة إنتاجة إلا إنه جزء من الأمن القومي الغذائي، والذي يتم إنتاجة بالعملة المحلية دون أعباء علي العملة الصعبة، ومدي توفراها أو ما ينتج عنه عجزا بالميزان التجاري.

فالأمر يحتاج دائمًا للحماية الوطنية وقدرة الدولة علي تحقيق قدراتها في الاكتفاء الذاتي، وينسب أكبر من السلع الاستراتيجية التي تلعب الساسية الدولية دورًا هامًا في فرض قيود عليها، وتعريض الدول لازمات سواء بعدم توفير هذة السلع، إلا بشروطها ومواصفاتها وكذلك قدرتها علي وقف استيراد تلك السلع من بعض الدول المنتجة.

إن القرار الذي تتخذة بعض الدول في تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء للسلع الزراعية المختلفة من إنتاجها الوطني، ربما يدفع البعض إلي للتسأؤل وكيف تحقق هذة الدول قدرة ذاتية بالاكتفاء الأكبر وتوفير الحد الآمن من السلع للسكان، وبأسعار تتلائم مع الغالبية العظمي، منهم وأن نقص هذة السلع ربما يدفع البعض لرفع أسعارها بصورة مبالغ فيها، وبما لايتناسب مع قيمتها الأصلية إلا أن عملية الاحتكار والسيطرة والمصالح تفرض نفسها وتنفيذ نظرية العرض والطلب، وأن نقص المعروض دائمًا يرفع الطلب ويزيد الأسعار، ولا يجد المواطن الأقل دخلًا قدرة علي توفير احتياجاته من هذة السلعة الاساسية والضرورية، وفي حين أن الجهود الرامية إلى التدخل وحماية الأسواق المحلية من ارتفاع الأسعار العالمية يمكن أن تنعكس في الواقع علي زيادة و تقلب في الأسعار المحلية لتلك السلع ومدي توافرها.

و من هنا تلعب الحوافز الزراعية دورًا هامًا في زيادة الإنتاج ورفع الكفاءة الزراعية وتعزيز النمو الاقتصادي .. فالدعم العيني ووجود سعرين لسلعة واحدة من السلع الاستراتيجية والضرورية ربما يخلق فسادًا يساعد علي ظهور أزمات في السوق وقدرات شيطانية للبعض للاستفادة من فروق الأسعار، وكيفية التحايل لتحقيق أكبر قدر من الاستفادة والثروة، لذا فالسعر الواحد لسلعة هوالكفيل بالقضاء علي منظومة الفساد لذا فالأهم هو تحقيق الآلية المنضبطة لتوحيد السعر لسلعة وربطها بالسعر العالمي، وأن يوجه الدعم العيني لدعم نقدي للفئات الأكثر احتياجًا ومن خلال منظومة الضمان الاجتماعي والحكومي . وغالباً ما تتوقف السياسات الملائمة أيضًا على تطور الأسواق الوطنية ذاتها، ومدى تنافسيتها وإتاحتها للمشاركين أدوات فعالة لإدارة المخاطر بها، وتأمين إنتاج الحاصلات الزراعية لديها، وفي تقدير تقرير منظمة الاغذية والزراعة ” الفاو” فحيثما لا تنطبق هذه الشروط “لا ينبغي رفض سياسات الدعم المحلي تلقائياً”.

أما تعميم هدف الأمن الغذائي- كوظيفة في ذاتها ضمن قطاعات متعددة من الاقتصاديات المتغيّرة بمرور الوقت ودمجه كعنصر ثابت في صلب عمليات صُنع قرارات السياسات التجارية، فيبرز كوسيلة لتحويل التجارة إلى “عامل تمكين” للتنمية المستدامة… وجعلها هدفاً استراتيجيا يسعي للقضاء على الجوع في البلدان النامية والاقل دخلًا.

ويري البعض أن هناك فئات بالمجتمع كالعمالة الخطرية والمهنية وغيرها كيف لها أن تعيش مع تلك المنظومة، فالجميع يعرف بأن السوق يتوازن فالخدمات تتغير أسعارها طبقًا للدخول والعمالة تحصل علي أجور خدماتها، طبقًا لآليات السوق، فالمجتمع بطبيعته تكافلي ومتلازم فالأجور بالجهاز الحكومي وشركات القطاع العام والخاص هي التي تدير حركة الاقتصاد، لأن الأجر هو الذي ينفق من هذة القطاعات علي الطعام والكساء والمسكن والخدمات، مثل الكهرباء والمياه و النقل والمواصلات، ويحرك عجلة الإنتاج وتدور حركة الاقتصاد والنشاط الاقتصاد، بمقدار التوازن بين السلع وتوفرها وأسعارها فالنشاط الاقتصادي يزداد رواجًا بمدي وفرة الإنتاج والحصول علي قدر مناسب من الدخل لإنفاقة علي كل هذة السلع المتنوعة، ولو توفر قدر من هذا الدخل لدي فئات المجتمع شجع علي الادخار وبالتالي زيادة ضخ استثمارات في المشروعات التي تشجع التنمية وبناء الدولة.

وإذا انخفضت الدخول انكمش الاقتصاد وقلت فرص العمل والتوظيف والإنفاق، وبالتالي انخفض الادخار مع انعكاساته السابقة، لذا فالبعض يري أن سياسة التقشف الاقتصادي التي تفرضها الظروف الراهنة لبعض الدول سواء كانت نفطية أو غير نفطية تعتمد علي اقتصاد ريعي يتطلب دراسات ومناخ اجتماعي مهيأ بشكل يستوعب المستجدات العالمية التي ألمت بالمنطقة العربية.

وتفيد الدراسات والتقارير الدولية لمنظمة الأغذية والزراعة ” الفاو” بأن المتوقع و الزيادة المنتظرة في تدفق التجارة العالمية للمنتجات الزراعية إلى جانب تغيّر أنماط التجارة وتصاعد المخاطر على الإمدادات العالمية لدول المستوردة للغذاء سوف تضفي على التجارة وإدارتها تأثيرًا متزايدًا بالنسبة لإمكانيات وكيفيات تحقيق الأمن الغذائي على الصعيد العالمي الشامل والذي ينعكس علي الامن الغذائي لدول بحالتها وظروفها، ونتيجة لذلك، يشير تقرير “الفاو” “حالة أسواق السلع الزراعية عام 2015-2016″ (SOCO) إلى أن صنّاع السياسات أصبحوا يواجهون تحدياً يتمثل من ضمان أن يخدم توسع التجارة “أهداف القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، لا أن يتعارض معها”.

ويهدف الإصدار الجديد من تقرير “الفاو” للحد من التفاوت الواسع حاليًا في مختلف وجهات النظر بشأن التجارة الزراعية، حيث أن التجارة الحرة تفضي لإتاحة مزيد من الغذاء مع إمكانيات الحصول عليها، في حين ينادى آخر متشدقًا بالموجة الأخيرة لتقلّب أسعار الغذاء باتباع نهج أكثر حذراً بالنسبة للتجارة بما في ذلك تبني جملة متنوعة من الضمانات في حالة البلدان النامية.

وعلية فإن تحقيق توازن أفضل بين الأولويات الوطنية والمصلحة الجماعية ربما يؤثر على أن دور التجارة الذي يتفاوت على نحو واسع طبقاً لخصائص كل بلد على حدة وظروفها من العوامل المختلفة كالدخل والبنية الاقتصادية وحيازة الأراضي ومعدلات استصلاحها وطور التنمية الزراعية التي تمر به الدولة ودرجة تكامل المزارعين ونشاطهم وعلاقتهم بالكيانات التعاونية في سلاسل القيمة المضافة والمرتفعة للنشاط. ووسط مثل هذا التنوع في الظروف الوطنية السائدة، ينبغي أن تحرص الجهات الدولية مع الداخلية لصياغة السياسات التجارية الوطنية للدول على دعم الجهود الرامية للتخفيف من الاضطرابات التي قد تؤثر على أي من الأبعاد الأربعة الأساسية للأمن الغذائي وهي الوفرة من السلع وقدرة الوصول بها لاي نقطة مطلوبة وقابلية الاستخدام لها ومدي دورها في تحقيق الاستقرار لدي المجتمع .

ويكتسب تحقيق التوازن المنشود للسياسات الزراعية والأمن الغذائي بين أهداف المدى القصير، والمدى الطويل أهمية حاسمة بالنظر إلى أن التنوع الواسع في طبيعة الاضطرابات الممكنة التي قد تحدث والتي قد تشكلها نقص هذة السلع وعدم توافرها بالاسواق فمن المرجَّح أن تصبح صدمات السوق أكثر تواتراً بسبب عدم اليقين على الأصعدة الجغرافية والمناخية والقرارات السياسية وتلك الناجمة عن السياسات الدولية في هذا الاطاروالقيود الدولية من معايير ومواصفات علي عدم الامداد الكافي من هذة السلع . لذا فإن التمييز الرسمي بين الأسواق المحمية والليبرالية غالباً ما يتلاشى الفرق بينها طبقاً لطرق التطبيق الفعلي للتنظيمات التجارية.

وعلى سبيل المثال، إذ احتفظت البلدان الأقل نمواً لنفسها بحق تطبيق أعلى للتعريفات الجمركية على الواردات وتبعتها البلدان النامية على نفس المنوال… تبنّت البلدان المتقدمة أدنى مستوى للتعرفات. مما يؤثر علي الدول النامية وفرض القيود عليها وعدم قدراتها علي المنافسة والانتاج داخل اسواقها المحلية وبالتالي اسعار السلع الزراعية لديها. فالدول الغنية تقوم بدعم المزارعيين لتشجيعهم علي الانتاج وتوفير الحماية علي المنافسة في الاسواق الدولية وتتحكم في اسعار هذه السلع في البورصة الدولية لقدرتها علي التحكم في المعروض من انتاجها ولاتستطيع الدول النامية علي تلك المنافسة رغم انها تدعم بدرجات اقل وبعملتها المحلية.

 

|
المزيد من المقالات
تعليقات فيسبوك
راسلنا
اعلانات
كاريكاتير
التواصل الاجتماعي
تصويت واستطلاع رئي
ارشيف الموقع